الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٢٩

أ- البحر:

إذا أخذنا البحر نموذجا لهذا الأسلوب من التّعامل مع الطّبيعة، فإنّنا نجده يحمل معاناة الشّعب ومأساة الجزائر ومحنة الشّاعر. لا يوصف البحر إلاّ لتبثّ إليه الشّكوى، أو ليقدّم إليه اللّوم، أو ليرجى منه العطف، أو ليكشف إليه الوضع … في هذا التّعامل رمز وتعويض وتنديد وتوعّد … هذه الدّلالات وغيرها تصبّ كلّها في خانة النّضال والكفاح والتّمسّك بمقوّمات الأصالة.

نشير هنا إلى أنّ الشّاعر الجزائري يلتجئ إلى البحر حين يكون محزون النّفس، منكسر القلب، وحين يبحث عن العزاء والدّواء، يلتجئ إليه ليبتعد بروحه عن الأرض، رمز الظّلم والقهر والنّفاق والرّذيلة والفساد، يلوذ إليه فرارا من الاضطهاد والملاحقة والرّقابة.

إنّ البحر جميل وبديع وعظيم، يحمل معاني الجلال والكبرياء والحسن والخلود، إنّه الكون الواسع، والغضب الثّائر … هذه هي المعاني التي نلتقي بها في الشّعر الجزائري، فالشّعراء لم يصفوا البحر، ولم يركنوا إليه هروبا من الواقع، ولم يلوذوا إليه طلبا للرّاحة والاستجمام. إنّما فسحوا له مجالات وفضاءات في أشعارهم ليصبّوا فيه أفكارهم ومشاعرهم، عساهم يجدون فيه من آيات الدّعم النّفسي والمعنوي ما يمكّنهم من القيام بواجب التّوعية والتّوجيه، بعيدا عن الرّقابة الاستعماريّة. ومن ثمّ ينبعث فيهم الأمل والرّجاء وروح العمل لبذل مزيد من الجهد في طريق الكفاح والنّضال. هذا الأسلوب في التّعامل مع الطّبيعة هو أحد الدّلالات القوميّة للعمل الشّعري.

يقول الدّكتور محمد ناصر: «وقد اجتذب البحر الشّعراء الوجدانيّين الجزائريّين اجتذابا ملحوظا، اجتذبهم في حالتي السّكون الهادئ والثّورة الغاضبة، ووقف أكثر من شاعر أمام البحر هذه الوقفة التي عرف بها الرّومانسيّون، فهم يلتجئون إليه التجاء المكروب، ويرتاحون إلى مرآه ارتياح المتعب. وغدا عندهم مظهرا للحرّيّة اللاّمتناهية، التي هم دائمو البحث عنها، ومعبّرا عن الثّورة المتجدّدة الرّافضة، التي تلائم أنفسهم التي لا ترضى بحال أبدا»(1)

(1) - دراسة في الشّعر الجزائري الحديث، ص:97، 98.

٢٩ / ٨٩