الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٣

المقدّمة الأولى

تعرّضت الهويّة القوميّة – في تاريخ العرب الحديث – لتفسيرات ومساومات وتقديرات متباينة، متناقضة أحيانا … ترجع أسباب ذلك إلى الرّصيد الثّقافي، أو النّشأة الثّقافيّة التي ميّزت الأجيال المتأخّرة بخاصّة، التي كانت غير مؤسَّسة في بناء شخصيّاتها على ثوابث راسخة متميّزة، متجذّرة في أعماق الأصالة. وترجع هذه المساومات – أيضا – إلى الظّروف السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة التي مرّ بها كلّ شعب أو قطر من الأقطار العربيّة. وقد يكون سبب ذلك مصالح خاصّة طبعت مسيرة فئة خاصّة، تريد السّير في ركاب نظام معيّن (غربي أو شرقي)، وقد يكون السّبب تعصّبا أعمى أو تحيّزا سافرا ضدّ مقوّمات معيّنة … أو الرّغبة في التّشبّع بثقافة ما، على حساب الثّقافة الأصليّة، وقد يكون السّبب السّذاجة في تقبّل مشروعات الآخر، أو عدم التفطّن إلى دسائسه …

حدث هذا - بخاصّة - في مرحلة ما بين الحربين العالميّتين. هذه الفترة بالنّسبة للعرب – سياسيّا واجتماعيّا وقوميّا – كانت مرحلة حاسمة، مثقلة بالأحداث الخطيرة، حافلة بالثّورات، مليئة بالمؤامرات على المقوّمات والثّوابث الأساسيّة للأمّة العربيّة الإسلاميّة.

لقد تعرّضت القوميّة العربيّة الإسلاميّة لهزّات عنيفة، مؤلمة؛ لهذا فُرض - وما يزال يفرض - على العرب أن يخوضوا معركة المصير والكرامة والحرّية والأصالة، إذ أنّ هذه الأوضاع المؤسفة ما تزال قائمة إلى اليوم – وإنْ بأشكال مختلفة – سبَّب أو عقَّد منها - إلى جانب الأعداء - أبناء هذه القوميّة أنفسهم.

كلّ هذه العوامل أفرزت هويّة غائمة، غير واضحة المعالم عند بعض النّاس: وقد أثيرت في العهد الحديث أشكال من القوميّة: القوميّة الإسلاميّة، العربيّة، الشرقيّة، المصريّة، الفرعونيّة، الفينيقيّة، الأمازيغيّة … وقد استجابت هذه النّزَعات لنَزَغَات الغرب لإحياء الحضارات القديمة؛ بهدف ضرب الوَحدة العربيّة والوَحدة الإسلاميّة: «وأعانت الدّول المحتلّة –كلٌّ في منطقة نفوذها – على دَعْمِ قداسة هذه الأوطان الجديدة في نفوس النّاس بأسلوب علمي منظّم، وذلك بمساعدتها على إحياء التّاريخ القديم لكلّ قطر من هذه الأقطار.

ونشط الحفر للبحث عن آثار الحضارات القديمة السّابقة على الإسلام في كلّ من العراق وسوريّة ولبنان وفلسطين وشرق الأردن ومصر لتوهين عرى الجامعة العربيّة، ولتشتيت القلوب، التي ألّف بينها الإسلام، وجمعها على لغة واحدة، فاستيقظت العصبيّات الجاهليّة وراح كلّ بلد يفاخر البلاد الأخرى لمجده العريق، وشغلت الصّحف بالكلام عن الكشوف الأثريّة الجديدة، وما

٣ / ٨٩