الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٣٣

أرهقته اللّيالي … بصروفٍ ما فوقها من مزيد(1)

البيت ما قبل الأخير يحدّد الهدف من هذا الالتجاء والاحتماء

ب - الصّحراء:

فسح الشّعراء الجزائريّون مجالا واسعا وفضاء كبيرا للصّحراء في أشعارهم، ليبثّوها كثيرا من أفكارهم القوميّة، وليقدّموا إليها مجموعة من مشاعرهم الوطنيّة. وهم يرمون في كلّ ذلك إلى إثارة النّخوة في النّفوس التي كادت أن تفقدها؛ بسبب الظّروف القاسيّة التي عاشتها، وكانوا يهدفون إلى إرجاع النّاس إلى فطرتهم في معتقدهم وأخلاقهم وسلوكهم، بعد أن أفسدتها أدناس المدينة وصخبها. وكانوا يصبون إلى تذكير النّشء بالبطولات التي احتضنتها أرضهم عبر تاريخ الجزائر وغيرها؛ لشحذ الهمم وتحميس الشّعب لإظهار بطولات مماثلة، تساعد على الخروج من دائرة التّخلّف والحرمان والقهر والضّيم.

كما لم ينسوا وصف جمال الصّحراء ومفاتنها بقصد التّمتّع بهذا السّحر والحسن، وبهدف التّذكير بضرورة الحفاظ على هذا الجمال وحمايته من التّخريب والإهمال، واستثمار خيرات الصّحراء وثمارها في مصلحة الوطن. وهو ما يمليه المطلب الوطني والواجب القومي.

من الشّعراء الذين عنوا بوصف الصّحراء مفدي زكريّاء، أحمد الطّيب معاش، أحمد سحنون، صالح خرفي …

يغازل مفدي زكريّاء نوفمبر سنة 1957م، ويطارحه مشاعره نحوه، ويعاهده على البقاء معه وفيّا، يسنده كي يحرّر الوطن من الأعداء والغاصبين، ويذكّره بأنّ الأرض الجزائريّة كلّها تنتفض لتتحرّر من نير الظّالم الغاشم.

من جملة هذه المناطق الصّحراءُ، التي يعدّ الشّاعر أحدَ أبنائها، ترعرع فيها صبيّا ودرج فيها فتىً، امتزج بكثبانها، وتسلّق نخيلها، واغترف من مائها، وأكل ثمارها وسامر لياليها …

عمد الشّاعر إلى وصف مفاتن الصّحراء في صورة رومانسيّة حالمة، مستذكرًا الذّكريات الحلوة والمرّة التي سجّلها على أرضها. إلاّ أنّ ذلك لم يكن الغاية، إنّما المرمى كان إظهارَ التّعلّق بها وتحريكَ النّفوس كي تحسّ بهذا الذي يشعر به، فتثور لكي تتمكّن من الاحتفاظ بها.

هذه اللّفتة تدخل ضمن رسالة الشّاعر الوطنيّة، وهي توعيّة النّشء بضرورة الثّورة ضدّ كلّ مغتصب للأرض، وكلّ معتد على الحمى:

(1) - دراسة في الشّعر الجزائري الحديث. ص: 103.

٣٣ / ٨٩