الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٣٩تساعد على تصحيح فكرة، أو تسعى إلى زرع الأمل ونزع اليأس، وتحثّ على النّهوض لمقاومة الظّلم والانحراف، والقيام من الكبوة، والخروج من التّخلّف، ممّا كان القرآن الكريم قد استعمل فيه هذه الألفاظ اللّغويّة …
في هذا الاستعمال والاستلهام من هذا الرّافد في هذا الظّرف العصيب، الذي عاشته الجزائر (عهد الاحتلال) تتّضح الرّوح القوميّة التي تسعى إلى التّحريض على الاستمساك بالمبادئ، واثبات الإنيّة وحماية الذّات، ومحاربة سياسة المسخ والتّذويب والتّشويه والتّغريب. في هذا المنحى تظهر رسالة الشّاعر الفنّان القومي، فليعتبر أولو الأبصار والألباب.
لقد فهم الشّعراء أنّ هجوم الاستعمار على اللّغة العربية هو محاربة للهويّة الإسلاميّة وللانتماء العربي(1) لهذا قاوموا هذا التّيّار والاتّجاه الذي يرمي إلى الإنقاص من مكانة اللّغة العربيّة، ويهدف إلى قطع الصّلة بينها وأصولها ومنابعها. فكان الرّجوع إلى القرآن الكريم ضرورة تمليها طبيعة المعركة الضّاريّة من أجل البقاء. يقول الدّكتور محمد ناصر: « … إنّ هذا الموقف لم يكتسب بُعدًا ثقافيّا أو اجتماعيّا أو دينيّا فحسب، وإنّما اكتسب أيضا بعدا سياسيًّا. فقد كان الحرص على بقاء اللّغة العربيّة في الألسنة فصيحة نقيّة جزءًا من الحرص على المقوّمات الأساسيّة للشّخصيّة الجزائريّة، أمام أفواج الفرنسة والمسخ»(2)
أشير في النّهاية إلى أنّ ظاهرة استلهام لغة القرآن كانت أكثر بروزًا في الاتّجاه التّقليدي في الشّعر الجزائري، الذي يمثّل مرحلة الانبعاث في الأدب ومرحلة النّهضة الفكريّة والاجتماعيّة، التي تميّزت بميزة بعث الأساليب العربيّة الصّافيّة، والتّمسّك بأمتن الرّوابط القوميّة وهي اللّغة العربيّة، وما تنطوي عليه من ثقافة العرب وأساليبهم … لذا عدّ الاتّجاه التّقليدي في حدّ ذاته ظاهرة قوميّة. وما صنعه الشّعراء الجزائريّون هو ما قام به إخوانهم في بلدان العالم العربي، كما يشير إلى ذلك الدّكتور عمر الدّقاق(3)
5 - العروبة في الشّعر الجزائري:
(1) - هو الموقف نفسه الذي اتّخذه ويتّخذه كلّ من يسير في ركاب المستعمر من أبناء الجزائر و غيرهم حاضرا وماضيا.
(2) - الشّعر الجزائري الحديث، اتّجاهاته وخصائصه الفنية. ص: 294، ينظر نماذج من تأثّر الشّعراء بالقرآن الكريم كتابنا «أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث» ج 1،ج2، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، سنة 1992.
(3) - ينظر كتاب «نقد الشّعر القومي» ص: 205.