الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٤٥إنّ الذي دفعهم إلى تناول مسألة العروبة بهذه الكثافة هو ما لحظوه من الهجوم العنيف على اللّغة العربيّة وما يتّصل بها، والتّشويش على الوَحدة الوطنيّة والوَحدة العربيّة، وذلك بإهانة المقوّمات، وإحياء النّعرات والنّزعات.
دلالات العروبة – كما تناولها الشّعراء - كانت الأصالة، الأخوّة، التّضامن، الإباء، التّحدّي، التّصدّي، الاعتداد بالنّفس، الكرامة، العزّة …
بهذه المعاني التي تناول بها الشّعراء العروبة أكّدوا على عروبة الجزائر وانتمائها إلى الأمّة العربيّة والإسلاميّة؛ مهما تكن التّحوّلات التي تتعرّض لها، والمحاولات التي تسعى إلى تغيير وجهها الحقيقي.
نسجّل أنّ تناول موضوع العروبة بهذه الكثافة، وهذا التّوسّع هو رسالة مقدّمة إلى الأجيال، تنبّههم إلى كيفيّة التّعامل مع العروبة، وتحديد العلاقة التي يجب أن تسود أبناء الملّة الواحدة، وذلك بالتّرفّع عن الاعتبارات العرقيّة والنّزاعات الطّائفيّة، والسّموّ عن الانشغال بالمسائل الهامشيّة، والارتقاء إلى الاهتمام بالمهمّ، وما يوطّد العلاقات فيما بينهم، وما يخدم الأصالة والدّين والوحدة … هكذا تبرز القيمة القوميّة للشّعر، حين يقوم برسالة التّصحيح والتّبليغ وتثبيت الهويّة.
أريد في نهاية هذا المبحث أن أعرض وجهة نظر الدّكتورة نور سليمان في قضيّة جوهريّة، تبيّن البعد القومي في الكتابة والتّعبير والتّصوير، ودور اللّغة القوميّة في بلورة الأفكار، وطبع المشاعر بطابع متميّز، له من صبغة الانتماء والانتساب والولاء ما يعمّق الوعي في نوع اللّغة المستعملة في الكتابة، وما ينبّه إلى ضرورة التّفطّن إلى المؤامرات التي تمرّر، والدّسائس التي تحاك في التّهوين من طبيعة اللّغة المعتمدة في الخطاب والتّوصيل والتّبليغ، وهي المؤامرات التي نجد لها رواجا في هذا الوقت، وهذا الزّمان الذي وهنت فيه الرّوح القوميّة، وهان فيه الشّعر، قالت الدّكتورة: «لقد اهتمّ شعراء الجزائر بالعربيّة أكثر من زملائهم الشّعراء بالفرنسيّة في تأكيد عروبة بلدهم، وكانت العروبة الحاجز الأكبر بينهم وبين المستعمر، وأمّا الآخرون فقد انفصلوا عن هذا المستعمر، لأنّه بالدّرجة الأولى مستعمر، من غير التّركيز على القوميّة العربيّة، ولعلّ السّبب الأكبر في ذلك جهلهم للّغة العربية وابتعادهم عن أجوائها، وبقي بعض هؤلاء الشّعراء بالفرنسية يتذكّرون أصلهم القبائلي ولغتهم البربريّة»(1)
(1) - الدّكتورة نور سلمان، الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1981م، ص: 337.