الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٤٦6 - قضايا إسلاميّة وعربيّة في الشّعر الجزائري:
حماسة الأدباء الجزائريّين للدّين الإسلامي، وإحساسهم العميق بالعروبة، وشعورهم بالعلاقة الوطيدة بالعالم العربي والإسلامي وارتباط وطنهم (الجزائر) بهما، وتمسّكهم بالقوميّة مرجعيّةً في العمل والنّشاط والإصدار والإيراد … كلّ هذا جعلهم يفسحون مجالا وحيّزا كبيرا للقضايا الإسلاميّة والعربيّة في أدبهم، وهو ما يفسّر هذا التّجاوب الكبير مع كلّ ما يحدث ويجدّ في العالمين العربي والإسلامي.
لقد كانوا يفسّرون الأحداث تفسيرا دينيّا، وينظرون إليها برؤية إسلاميّة. هذا التّناول هو في حقيقته نوع من الحرب التي خاضها الجزائريّون مع فرنسا عدوّة الإسلام والعروبة، وذلك بالوقوف أمام أساليبها الهادفة إلى قطع صلتها بالمشرق الإسلامي، وبتر انتمائها إلى الأصالة الإسلاميّة أو تشويشها على الأقلّ.
هذا التّفسير الدّيني للأحداث السّياسيّة في العالم الإسلامي موقف قومي، له ما يبرّره؛ إذ أنّه تعبير نفسي عن الاغتراب، الذي يشعر به الجزائريّون، وسط قمع استعمار بغيض يسلب الحرّيّة، ويحارب الانتماء، ويقضي على الأصول، وينغّص الحياة، وهو أيضا تعويض عمّا حرموه في وطنهم الأصلي من كلّ ذلك، إذ وجدوا في التّعبير عن قضايا العالم الإسلامي والعربي متنفّسا من الكمد، الذي يملأ قلوبهم.
هذا التّصرّف أو هذا السّلوك درس يقدّمه هؤلاء الشّعراء لكيفيّة التّعامل مع القوميّة، التي هي الكفيلة بلم ِّ الشمل وجمع الشّتات وإبعاد التّشتّت وتوحيد الصّفّ ونزع الشّقاق، وزرع الثّقة … القوميّة التي تسعى إلى ربط الشّرق بالغرب، القوميّة التي تدعو إلى الالتحام وقت الرّخاء وزمن الشّدّة، القوميّة التي توجب الوفاء وتفرض الولاء وتحفظ الانتماء في السّرّاء والضّرّاء، القوميّة التي تربط بين الماضي والحاضر، وتخطّط للمستقبل في إطار المبادئ والقيّم … هذه المعاني والأفكار عالجها الشّعر الجزائري، وهو يتناول القضايا العربيّة والإسلاميّة. من هذه المسائل علاقة الجزائر بالشّرق. قال محمد العيد:
وابن الجزائر بابن الشّرق مرتبط … وإن أحاطت به الأشواك أسوارا(1)
(1) - ديونا محمد العيد. ص: 456. من قصيدة في رثاء حافظ إبراهيم، وردت فيها كلمة الشّرق خمس مرّات والقصيدة تعدّ 24 بيتا.