الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٥٠إنّ الشّعر الجزائري الذي بشّر بالقوميّة العربيّة الإسلاميّة، لم يكن لتغيب عنه حوادث العالم العربي وقضاياه، حتّى وهو يعيش أحلك الظّروف وأقسى المحن. فبرغم ما فرضه الاستعمار الفرنسي من قيود على الاتّصال بالعالم العربي والإسلامي، وما ضربه من ستار حديدي على ما يجري فيهما، فإنّ الشّعر الجزائري كان يمدّ الرّأي العام بأنباء الوطن العربي، ويفيده بكلّ ما يحدث فيه، استجابة للرّسالة القوميّة التي تفرض عليه البقاء مرتبطا بكلّ من تجمعه به أواصر الدّم واللّسان.
هذه الرّوح هي التي تكشف الشّعور القومي، الذي كان يحكم كتابات الشّعراء، وهي التي تبيّن دور الشّعر وعلاقته بالهويّة؛ إذ تبرز وتوضّح ما يجب عمله للبقاء في ارتباط وثيق وصلة قويّة بالأصول وبالأشقّاء. فلا المحن تفرّق بين الأخلاء، ولا الظّروف تفقد حرارة التّجاوب مع الآلام والآمال المشتركة، ولا المضايقات والاستفزازات تنسي الأخ في أخيه.
في السّلوك الذي أبداه الشّعراء الجزائريّون في أحلك أيّامهم وأشدّ لياليهم تحهّما عبرةٌ ودرسٌ في كيفيّة التّعامل مع الأشقّاء وقضاياهم، وكيفيّة معالجة أمورهم، مهما تكن الأوضاع التي يمرّون بها من الرّخاء والشّدّة. والشّدّةُ كما يقال محكّ الأصالة. وكم راجت وتروّج اليوم في الوطن العربي عملة زائفة، هي التّنكّر للقوميّة والتّخلّي عن بعضنا، والسّير في ركاب غيرنا، والتّقلّب في المواقف.
لقد أظهر الشّعراء وعيا كبيرا بالقضايا العربيّة والإسلاميّة كقضيّة فلسطين، التي كانت وما تزال محكّ الأصالة العربيّة في كلّ قطر عربي «واسم فلسطين والجزائر تعانقا في أكثر من موقف، وصدَّرا أكثر من قصيدة، والجزائر لا تزال تخوض مسيرتها المجهولة»(1) وكاستقلال بعض الأقطار العربيّة، كما تفاعل الشّعراء مع الثّورات العربيّة وأحداث الوطن العربي والمعارك الأدبيّة ومناسبات التّكريم والتّأبين لعظماء العالم العربي والإسلامي، من كتّاب وشعراء وزعماء ومصلحين …
من الأحداث العربيّة البارزة التي كتب عنها الشّعراء الجزائريّون حادثة دمشق 1926م. المتمثّلة في ضرب القوّات الفرنسيّة لدمشق بالقنابل، وقد كان من أوائل هؤلاء الشّعراء، الذين تعرّضوا للحدث إبراهيم أبو اليقظان الذي: «لم تكن مشاركته مجرّد مواساة أو تعاطف وجداني، بقدر ما كانت إيمانا بأنّ النّضال العربي، إنّما هو نضال واحد أينما كان. ولم يكن شعره نواحا
(1) - الدّكتور صالح خرفي، الشّعر الجزائري. ص: 261.