الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٥٧إلاّ أنّ كلّ ذلك لم ينل من عزيمة الشّعراء، ولم يفتّ في إرادتهم وقوّة شخصيّتهم، بل عبّروا بشعر حماسي فيّاض قويّ عن قهر هذه المؤامرات، ودحض هذه الدّعوات، وردّ هذه الممارسات، وأثبتوا للعدوّ أنّهم ما يزالون أقويّاء أعزّاء صناديد، متمسّكين بوَحدتهم، متماسكين بقوّتهم. هذه النّتيجة هي أحد مظاهر التّعبير الشّعري عن القوميّة.
2 - الشّعر الجزائري زمن الاحتلال بخاصّة كان شعرا وطنيّا في معظم ما عالجه، وما تناوله من موضوعات فوصف الطّبيعة مثلا كان سبيلا أو وسيلة لتصوير الجانب القومي والرّوح القوميّة.
3 - لم يكن التّغنّي بالجزائر إلاّ أسلوبا من أساليب التّعبير عن آلام البلاد، وقد حاول الشّعراء تصوير حالة شعبهم من خلال نفوسهم، وهو ما يبرز هذا التّعاطف الوجداني الذي كان يسري بين الشّاعر وقومه ووطنه، ويكشف عن الخيط المشترك الذي كان ينتظم نفوس الشّعراء، كما ينتظم وطنهم وشعبهم باتحاد آلامهم وآلامها، وآمالهم وآمالها …
4 - كان هدف الشّعراء الجزائريّين وطنَهم الجزائر: شعبا وأرضا وقيما وانتماء ضاربا في أعماق التّاريخ.
5 - معالجة القضايا العربيّة والإسلاميّة في الشّعر الجزائري هو تعبير عن القوميّة.
6 - التّعلّق الكبير بالعروبة والعرب والعربيّة في الشّعر الجزائري بشكل لافت للنّظر، يكشف عن الظّروف العسيرة التي كانت تعيشها الجزائر تحت نير الاستعمار، وتُبينُ عن مسيرة البحث الطّويل والعناء المستمرّ اللّذين أبداهما الجزائريّون في سبيل إقرار الهويّة القوميّة. وللبحث عن هذه الهويّة كان الطّريق طويلاً محفوفًا باليأس والتّشاؤم القاتل أحيانا … لكنّ الانتصار على كلّ ذلك كان كبيرًا وباهرًا.
كما يفصح هذا التّعلّق عن الاغتراب الفكري والغربة الرّوحيّة والنّفسيّة، ومع ذلك بقي الشّعراء محافظين على الرّوح العربيّة والإسلاميّة، وظلّت مشعّة حيّة في ضمائرهم، وبها واصلوا الكفاح والنّضال فحموا مقوّمات أمّتهم من التّلاشي والذّوبان.
7 - إنّ الشّعر الجزائري بهذه الرّوح، وبهذا الصّبر الكبير والصّمود القويّ، يقدّم درسا للأجيال في طريقة المحافظة على الأصالة، وعلى العروبة والقوميّة، مهما تكن الظّروف والأحوال من الإغراء والإغواء والتّغرير والتّهديد …
8 - استوحى الشّعراء اتّجاههم ومواقفهم من روح الشّخصيّة الوطنيّة، التي تقوم على العناصر الثّلاثة الآتية: الإسلام، العروبة، التّاريخ، التي كانت هدف المستعمر في الهجوم