الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٥٨

والمصادرة … الدّين مصدر وحدة الشّعب وعزّته. العروبة مستوحى القيّم. التّاريخ ملهم المواقف الوطنيّة والقوميّة.

9 - كانت قصائد الشّعراء نسيجا محكما سداه الإسلام ولحمته العروبة. لم يفرّق الشّعراء بينهما أبدا في كتاباتهم؛ نتيجةَ تجذّر الإسلام في النّفوس وتشابك تراث العرب والمسلمين.

10 - ممّا يدلّ على قيمة الشّعر ودوره وضرورته للحياة السّابقة واللاّحقة، وضمان الاستمراريّة، واستعصائه - في الوقت نفسه - على غير الواعي المجرّب المتمرّس الخبير … أنّك لا تجد في الشّعر الجزائري - إلاّ القليل- من يساوم فيه، ويتاجر في المقوّمات الأساسيّة للهويّة القوميّة، من لغة ودين ومصير وآمال وآلام … فبرغم الأصوات التي تتعالى في الشّوارع، وفي بعض المحافل الخاصّة والعامّة، من عامّة النّاس وسراتهم أحيانا، في الزّوايا والتّكايا .... لإحياء بعض اللّهجات ومساواتها باللّغة العربيّة، وإعطائها الدّور أو القيمة التي للّغة العربيّة، وجعلها طوعا أو كرها، قهرا وقسرا لغة علم ومعرفة، رغم قصورها عن ذلك في القديم والحديث … رغم كلّ ذلك فإنّ الشّعر لم ينزل إلى هذه المستوى، ولم يدخل في هذه اللّعبة، فينساقَ مع هذا التّيّار، بل عدّ اللّغة العربيّة هي اللّغة الأساسيّة، التي لا مزاحم لها، ولا مزايدة عليها، إذ أنّها أحدُ مقوّمات الهويّة العربيّة الإسلاميّة. إنّ هذه النّتيجة تُبينُ عن دور الشّعر في هذا المجال.

هذا هو الشّعر القومي، الذي يحمل رسالة: فيها التّبشير بمؤهّلات الأمّة ومكوّناتها، والإنذار لمن يتصدّى لهذه القوميّة، والإعلانُ عن مقاومة مّنْ يمسُّ المقوّمات.

فيها بثّ الوعي ونفخ الرّوح فيمن يتأخّر عن الدّفاع عن نفسه ومكوّنات شخصيّته. فيها زرع الأمل في النّفوس التي أصابها اليأس من المحافظة على توازنها الرّوحي أمام الضّربات المتتاليّة الرّاميّة إلى تحطيمها نفسيّا، فيها إبعادها عن التّشاؤم من البحث عن الذّات، حين يعمد إلى تغييبها. فيها رسم الطّريق السّليم للأجيال المتلاحقة في هذا الموضوع …

هلاّ وعى الشّعراء المعاصرون هذه الرّسالة وفقهوا هذا الدّور، لينهضوا فيقفوا في وجه كلّ الدّعوات الهدّامة والتّيّارات القائمة هنا وهناك، في كلّ ركن وزاوية، منتصبة لضرب الهويّة، ومحاربة القوميّة، وأن لا يستسلموا للظّروف والمخطّطات المغرضة بأيّة حجّة وبأيّ لبوس وبأيّة صبغة تظهر عليها.

بإمكان الشّعر أو الشّعراء أن يقوموا بهذا الدّور، لكن الرّداءة التي أصبح يتّصف به الشّعر المعاصر، وما تطالعنا به الصّحف والدّوريّات، لم تُبقِ للِشّعر مكانته التي كان يحتلّها في القلوب

٥٨ / ٨٩