الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٦٠الهويّة في شعر مفدي زكريّاء(1)
تمهيد
عاش الشّاعر الجزائري- وما يزال يعيش أزمة نفسيّة كبيرة -؛ إذ وجد في محيط يعاني مأساة الاغتراب الفكري واللّغوي، والاضطراب في جانب الانتماء، ويقاسي من معضلة الهويّة … فدخل في صراع داخلي مع نفسه، وآخر خارجي مع غيره، ليصحّح الانحراف، ويصوّب المسار، ويتدارك الأمر. فتحرّك ليدافع عن القوميّة، ويثبِّت الهويّة الحقيقيّة.
قام الشّعر ليقول كلمته، وليقوم بواجبه في معركة الأصالة والهويّة، تقدّم ليفي بوعده في التّعبير عن مشاعر الأمّة، ويفصح عن مقوّماتها، نهض ليوضّح لها طريقها الصّحيح، ومنهجها السّليم في معرفة هويّتها الحقيقيّة، أبحر ليتحمّل عبء التّغيير نحو الأصلح والأقوم …
تحرّك بمنهجيّة محكمة، وبروح صادقة أصيلة، تستلهم الثّالوت، الذي يحكم الهويّة الوطنيّة: الدّين واللّغة والوطن. شعار الحركة الإصلاحيّة، وكلّ وطنيّ أصيل، متأصّل راسخ في عقيدته، متمسّك بوطنيّته، متشبّث بلسانه.
من هؤلاء الشّعراء الذين قاموا بهذا الدّور، شاعرُ القضيّة والرّسالة، والوطنيّة والأصالة، مفدي زكريّاء، الذي سخّر حياته، ووجّهها شطرَ دينه ووطنه ولغته، وأفناها في سبيل الدّفاع عن الهويّة والقوميّة الأصيلة، وتجرّع من أجل ذلك الأمرّين. لكنّه لم يعبأ بكلّ هذا، بل وجد فيه الحلاوة والسّعادة والرّاحة، ما دام ذلك يقود إلى الهناء والعيش الحرّ …
قصائده كلّها تنضح بهذه الرّوح، روح الأصالة والوطنيّة، وتنبض بالحماسة الصّادقة للانتماء والهويّة الحقيقيَّيْن. لذا نجد في شعره هذا ا التّكرار لما يفصح عن الأصول، وهذا التّعدّد لمظاهر الانتماء، وهذا التّفنّن في إبراز حقيقة الهويّة … نحاول الوقوف عند بعض الأمثلة التي تشهد بكلّ ذلك.
(1) - الدّراسة محاضرة ألقيت في الملتقى الدّولي مفدي زكريّاء، المنعقد في قصر الثّقافة والنّادي الوطني للجيش ببني مسّوس، الجزائر العاصمة، يومي: 11، 12 ديسمبر 2007م، من تنظيم مؤسّسة مفدي زكريّاء الثّقافيّة.