الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٦١

1 – قصائد مسخّرة لتثبيت الهويّة

تظهر بعض القصائد وكأنّ الشّاعر وجّهها أصلاً لتثبيت الهويّة، وتركيز مقوّماتها في نفوس المنتمين إلى الأمّة العربيّة الإسلاميّة، وردِّ كلّ أشكال الادّعاءات التي يبديها من يروم فصل فروع الأخلاف عن جذور الأسلاف. حتّى ولو كانت المناسبة التي يقول فيها الشّاعر هذه القصيدة أو تلك لا تدفع إلى القول في هدا الموضوع. إلاّ أنّ الشّاعر وهو يحمل رسالة محدّدة ودائمة، وهو ينوء بِهمَّ المحافظة على الهويّة، والدّفاع عنها … يستغلّ كلّ فرصة، وكلّ موقف ومشهد ليستلهم من كلّ ذلك ما يسعفه ويعينه على أداء رسالته. أمّا إذا كان في الأمر استفزاز، وفي المخطّط استهتار، أو كانت المعركة مسألة موت أو حياة في مسألة الأصالة والهويّة، وكان العمل يجري على الدّوس على المقوّمات، وتحويل وجهة الأمّة إلى وجهة تتناقض مع الأصول والمبادئ، فإنّ الموقف يدفعه إلى التّحرّك والتّجنّد والتّجلّد والتّفنّن في القول والعمل لصيانة الهوية، وحماية الانتماء.(1)

في خضمّ معركة التّحرير من سيف الظّلم المصلت على الهويّة، وفي أتون الحرب ضدّ السّطو على الحريّة، وفي غمرة الرّدّ على الادّعاءات المغرضة، الهادفة إلى تشويه الأصالة، والتّشكيك في حقيقة الانتماء. نافح مفدي زكريّاء مع الشّعب الجزائري في مقاومة الاعتداء على الهويّة، ومقاضاة المهاجمين على الأصالة، ومحاربة مشروعات الاستهتار بالقيم والمقوّمات. وقف سنة 1955م ليوضّح لرسل الشّرق حقيقة ما يحمله الشّعب الجزائري، من روح الانتماء إلى الأصول الحقيقيّة، فهو أبدًا لم يخن العهد، ولم يتخلّ عن أرومته العربيّة الإسلاميّة. ارتجل أبياتًا، في حفل أقيم في الدّار البيضاء بالمغرب الأقصى، شاركت فيه وفود عربيّة، قَدِمَتْ لتهنئة الشّعب المغربي بعيد الاستقلال. فقال عن الجزائر ضمن الحديث عن المغرب العربي، الذي يؤمن به الشّاعر وطنًا واحدًا، لا ينقسم ولا يتجزّأ:

سَلِ الفصحى .. وقل للضّاد رفقًا … لسانُ الحال أفصح منك نطقَا

وخلِّ الشّعر، فالأيّام

(1) - ينظر مثلا في ديوانه اللّهب المقدّس القصائد الآتية: " الذّبيح الصّاعد ". و" اقرأ كتابك "، و" لا عزّ حتّى تستقلّ جزائر " … "وإلياذة الجزائر ". وغيرها.

٦١ / ٨٩