الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٦٩

وملءَ عروقي صارخٌ دمُ يعربٍ … فألهمني ينبوعُ يعربَ تبياني

وتيّمني حبُّ الجزائر، فارتوى … نشيديَ في السّاحات من دمها القاني

وهمتُ بأبناء العروبة يافعًا … أرى كلّ أبناء العروبة إخواني

تعلّقتُ بالفصحي، وأشربتُ حُبّها … وأرغمتُ فيها أنف من تَحدّاني(1)

باستقراء الكلمات التي بنى بها الشّاعر هذه الأبيات، نقف على هذه الرّوح العالية السّامية، التي يحملها في داخله، نحو العروبة والعربيّة والعرب. هي ألفاظ مشحونة بالعاطفة الجيّاشة، والشّعور الصّادق. والأمل الكبير في خدمة ما يتّصل بالعروبة، والعزم الأكيد على تسخير روحها في القيام بما يمليه الصّالح العام، وفي تحرير الأوطان والأركان من كلّ ما يضرّ بها، وما يعلق بها من أدران.

هذه العهود التي تدفع إليها العروبة نابعة من طبيعتها التي تمتزج بالإسلام قلبًا وقالبًا. من هذا المفهوم نجد الشّاعر لا يفرّق أبدًا بين العروبة والإسلام في الانتماء والتّناول والعمل. يقف الشّاعر دائبًا - دائمًا - على ردّ كلّ ما يمسّ من أصالة الجزائر؛ دعاية أو ممارسة. فقد كتب يندّد بمشروعات التّجنيس والاندماج، وبخاصّة " مشروع بلوم فيوليت".

كتب سنة 1937م قصيدة، عُنْوِنَتْ بِـ" البردة الوطنيّة" تعدّ 43 بيتًا. حاول من خلالها الكشف عن حقيقة الجزائر وانتمائها، بعد أن راجت أخبار، ونشرت دعايات مغرضة، تذيع أنّها تخلَّتْ عن عروبتها، أو سلبت منها؛ بسبب أعمال التّعسّف والتّشويه التي قام بها المستعمر؛ ليسلخها من شخصيّتها، لكنّه لم يفلح. فبقيت الجزائر عربيّة مسلمة، محتفظة بمقوّماتها. كتب الشّاعر هذه القصيدة، وعمد فيها إلى المزج بين العروبة والإسلام، ليبيّن الأصل الذي تنتمي إليه الجزائر، وليؤكّد اللّحمة المتينة بين العروبة والإسلام. يظهر هذا من خلال كلماتٍ، كان يستعملها في النّصّ عمْدًا، وهو يسلك سبيله إلى بيان هذا المعنى. من هذه الكلمات التي كان

(1) - اللّهب المقدّس، ص: 320، 321.

٦٩ / ٨٩