الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٧٤لأيّ حَجٍّ هنا تنصبّ بلدانُ؟ … وأيِّ أرضٍ لها ترتجّ أكوان؟
وأيّ عيدٍ له الأجيال شاخصةٌ؟ … وأيّ حفلٍ تَجلّى فيه قَحطان؟
وأيّ ساحٍ بها تُصغِي الدّنا كلمي … كأنّها – بعد وحي الله – قرآن؟
هي الحقيقة، أم حلم يهدهدني؟ … كم راعه في ظلام اللّيل سجّان
أواقعٌ؟ أم طلاسيمٌ وأخيلةٌ؟ … (هاروت) أبدعها؟ أم صاغها جان؟
ومن أنا؟ وهل أنا من كنت أعرفه؟ … أم كيف يحمل عرش الله إنسانُ؟
هي (الجزائر) صدر الغيب أطلقها … لمّا تفجّر بالعملاق بركان
هي (الجزائر) وعد الله أنْجدها … لمّا استخفّ بوعد الله طغيانُ
وتلك ألويةٌ للنّصر خافقةٌ … (ثالوثها) عن ضمير الشّعب عنوان
وذا حمى وطني، والشّمل ملتئم … وبين جنبيّ إخوانٌ وخلاّن(1)
أسئلة عديدة عرضها الشّاعر على نفسه، يطلب لها جوابا صريحا وجريئا، تعلن للعالم كلّه أنّ وطنَه الجزائرَ بدعةُ الفاطر، وروعة الصّانع، وبسمةُ الرّبّ، ومرآةُ حسنه وبديعُ صنعه، وبابلُ السّحر … اختار لتقرير هذه الحقيقة أسلوب الاستفهام، الذي يعين على إخراج ما في النّفس من المشاعر والأحاسيس، لتبلغ قلب المخاطب. وتصل عقل المتلقّي، فيقتنعان بما يؤمن به الشّاعر، وهو أنّ الجزائر هي بدع ممّا خلق الله من الأوطان، ومعجزة ممّا صنع من الأكوان، بل هي الحجّة على بديع صنعه، الذي أتقن كلّ شيء خلقه واختاره وميّزه(2):
وطني أنت بدعةٌ صنعتها … من طلاسيم فنّها يدُ ساحرْ
وطني أنت بسمة الرّبّ في الأرْ … ضِ، ومرآة حسنه المتواترْ(3)
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 179، 180.
(2) - ينظر هذه الأوصاف، إلياذة الجزائر، ص: 39، 40. وأمجادنا تتكلّم، ص: 171.
(3) - أمجادنا تتكلّم، ص: 171.