الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٧٥

كما اختار لهذه الأوصاف ألفاظًا، تتميّز بالقداسة والإيحاء والتّأثير. هذه خصوصية تميّزت بها لغة الشّاعر، وبخاصّة حين يكون في قمّة احتدام المشاعر، وفي صدد تمرير رسالة معيّنة محدّدة. فهو يُرْكِبُ مشاعرَه هذا الأسلوبَ ليختصر المسافة بينه وبين المتلقّي، ويصل به الهدف الذي يرمي إليه بسرعة. من هذه الألفاظ: (قرآن، حجّ، وحي الله، عرش الله، وعد الله، صدر الغيب … ) و (قحطان، هاروت، جان، طغيان، كلمي … )

هذه الكلمات، وهذا الاعتداد، وهذه الجرأة، وهذه الثّقة الكبيرة … دفعته أن يقول:

وأوقفتُ ركب الزّمان طويلاً … أسائلهُ … عن ثمودٍ وعاد

وعن قصّة المجد، من عهد نوحٍ … وهل إرمٌ .. هي ذات العماد

فأقسم … هذا … الزّمان يَمينًا … وقال: الجزائر، دون عناد(1)

هذا الإصرار الكبير على تقرير هذه الحقيقة، وهذا الاعتقاد الجازم، الذي لا يتطرّق إليه شكّ: أنّ الجزائر لا تجاري ولا تبارى في مكانتها، وفي جلالها وجمالها. هو ما جعل الشّاعر مفدي زكريّاء يتجرّأ فيأمرَ مخاطبيه أن يذعنوا للجزائر، وأن يسجدوا لها، لمجرّد سماع اسمها. وجرّأه أن يصفها بأوصاف غاية في القداسة والجلال:

وقل: الجزائر، واصغ إن ذكر اسْمُها … تَجد الجبابر ساجدين وركّعا

إنّ الجزائر في الوجود رسالة … الشّعب حرّرها، وربّك … وقّعا

إنّ الجزائر قطعة قدسيّة … في الكون، لَحّنها الرّصاص ووقّعا

وقصيدة أزليّة، أبياتها … حمراءُ .. كان لها نفمبر مطلعا

نظمت قوافيَها الجماجمُ في الوغى … وسقى النّجيعُ رويَّها فتدفّعا

غنّى بها حرّ الضّمير، فأيقظت … شعبًا إلى التّحرير شَمّر مسرعا

سمع الأصمّ رنينها فَعَنَا لها … ورأى بها الأعمى الطّريق الأنصعا(2)

نقرأ في هذه الأبيات الإصرار على التّمسّك بالأرض، والولاءَ والوفاءَ للوطن، ونقرأ فيها التّقديس والتّعظيم للمنبت، ونسجّل في هذه المبالغةِ والتّصويرِ والتّقديرِ الصّدقَ والمعاهدة على مقاومة كلّ ما يقف في طريق حبّ الوطن، والهيام به، ونقرأ فيه العمل على نصرته. إنّ كلّ ذلك يندرج ضمن سياق التّعبير عن الهويّة والقوميّة.

إنّ الشّاعر بهذا التّصوير والوصف والتّقرير يتحدّى الاستعمار، ويردّ على استفزازات المحتلّ الفرنسي، ويتصدّى لمحاولاته اليائسة محوَ آثار وجود كيان اسمه (الجزائر). وكان يصرّ على التّشبّث بالأرض، والوفاء للوطن، والتمسّك بالولاء للأصول. كلّ ذلك يدخل في صميم الحديث عن الهويّة.

كان الشّاعر أحيانًا يكنّي ويرمز إلى الجزائر، ويخاطبها مخاطبة المتغزّل بها، بما يسمّى (الغزل السّياسي). إمعانًا في إظهار مدى تعلّقه بها، فهي حبيب وخليل، وعشيق وعشير، يستحقّ التّودّد والتذلّل والشّكوى له ومنه. يتقدّم إليه الشّاعر بكلمات هي من صميم لغة المحبّين العاشقين المتيّمين. مثل (الهوى، صبابة، مهجتي، لوعتي، الوصل، حديث الفؤاد، خفوق … ) قال يناجي ويشكو سنة 1930م، تحت عنوان: " خفقة فؤاد: زهرات ضائعات في صفحات ضائعات":

رسولَ الهوى بلّغ سلامي إلى سلمى … وعاطِ حُمَيَّا ثغرها الباسم الألمى

وناجِ هواها، علَّ في الغيب رحمةٌ … تَدَارَكُ هذا القلبَ أن يقضي هَمّا

وبُثَّ شكاةً من مشوقٍ

(1) - إلياذة الجزائر، ص: 57.

(2) - اللّهب المقدّس، ص: 58.

٧٥ / ٨٩