الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٧٦مُتيّمٍ … له كبدٌ حرَّى تضيق به غمّا
فكم تحت هذا القلب من لاعج الجوى … وكم بين هذا الجسم من أضلع كلمَى
ألا ليت هل يدري الحبيب كآبتي؟ … فينصفَ لي شكوى ظلامتي العظمى
ويا ليت شعري، هل به ما بِمهجتي؟ … و يا لهفَ نفسي، هل بأضلعه مِمّا ..
بلادي بلادي ما ألذّ الهوى، وما … أمرَّ كؤوس الحبّ، ممتزجًا سُمّا
بلادي، ألا عطفٌ عليّ بنظرةٍ … حنانيك، ما هذا السّنُوُّ ولا إثْما(1)
أيّ غرام يسكن قلب الشّاعر نحو وطنه! أيّ هيام يشدّ جنانه ببلده! أيّ هوى يقبع في فؤاده لبلاده! … لا تفسير لكلّ ذلك سوى التّعلّق بالوطن، والحبّ الشديد له، والارتباط به. ولا تأويل لهذا غير إظهار الولاء له، وتأكيد الانتماء له. والولاء والانتماء مظهران للهويّة.
كتب الشّاعر سنة 1956م، يناجي وطنه من غياهب السّجن المظلم، الذي نزل به إلى هذا المكان؛ لأنّه أحبّه وأغرم به، وذاب فيه وهام. فعمل بما يعين على تحريره من أيدي الغاصبين، وتحييده عن سُبُلِ الضّيم والحيف والعسف. فَأُبْعِدَ عنه إلى ظلمة السّجون، فقام يناجيه مناجاة الحبيب أبعد عن حبيبه، ويهمس إليه همس الرّوح للرّوح … كتب يغازله:
وربّ نجوى كدنيا الحبّ دافئةٍ … قد نام عنها رقيبي، ليس يسترقُ
عادت بها الرّوح من (سلوى) معطّرةً … فالسّجن، من ذكر (سلوى) كلُّه عَبِقُ
سلوى، أناديك سلوى، مثلهم خطأً … لو أنّهم أنصفوا، كان اسمَك الرّمقُ
يا فتنة الرّوح، هلاّ تذكرين فتًى … ما ضرّه السّجنُ، إلاّ أنّه وَمِقُ
هل تذكرين، إذا ما الحظّ حالفنا … إليك أهتفُ يا سلوى، فنتّفقُ؟
سلوى، حديثك يا سلوى يباغمني … والطّرفُ يَختانُ، لا يدري به الحَدقُ
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 89 – 91.