الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٧٨

أنفاسك الطّهرُ كالصّهباء تغمرني … دفئًا، ويُسكرني من فرعك العرقُ

سمراء، خدّرها الباري، وصوّرها … إن أرتشفْ ثغرها يفتكْ بيَ الأرقُ

سلوى، أناديك سلوى، هل تُجاوبني … سلوى؟؟ فإنّ لساني باسمها ذلقُ

ردّي عليّ أهازيجي موقّعةً … فقد أعارك وزنًا قلبيَ الخَفقُ

ورتّليها تسابيحًا مقدّسةً … في معبد الحبّ، يسجد عندها الأفق

يا لائمي في هواها، إنّها قبسٌ … من الجزائر، والأمثال تنطبقُ

بنت الجزائر .. أهوى فيك طلعتها … فكلّ ما فيك من أوصافها خُلق

أحبّها مثل حبّ الله، أعبدها … آمنت بالله، لا كفرٌ، ولا نزقُ

أرض الجزائر في إفريقيا قُدُسٌ … رحابها من رحاب الخلد، إن صدقوا(1)

تكرارُ الشّاعر للفظة (سلوى) دليل على تعلّقه بها، ووصفه لمظاهر الفتنة، التي تجذب قلب العاشق، برهان على غرامه بها، وتذلُّلُه للحبيب مظهر من مظاهر التّمسّك به. وعرضُ الذّكريات حجّة على الحنين إلى هواه …

إنّ الشّاعر سلك هذا الأسلوب في الحديث عن وطنه، الذي أراد الغاصب أن يستلّ منه حبّه له، ويسلب منه ارتباطه به؛ ليعلن عن الوفاء، ويؤكّد على الولاء، ويثبّت قوّة الانتماء، وكلّ ما يفصح عن الهويّة التي ينتمي إليها الشّاعر.

إنّ الشّاعر وظّف ما يحسّ به العاشق الولهان المتيّم من غرام وجوى وهوى، في تصوير مشاعره نحو وطنه العزيز الغالي، ليكشف للعدوّ أوّلا أنّه متمسّك بوطنه، متشبّثٌ به، مهما يفعل ويصنع، فَلْيندحرْ وليَنْكَسِرْ … ويقدّم للعالم ثانيًا حقيقة ما يحمله من آيات الوفاء والارتباط بوطنه. يقول الدّكتور صالح الخرفي: " وعندما يصطدم الحبّ الذّاتي بالحبّ القومي، لا ينتج عن الانصهار إلاّ الانصهارُ في حبّ واحدٍ، يخدم الاثنين معًا، يقدم على الموت ليهب لهما الحياة. وعندما تتلاشى

(1) - اللّهب المقدّس، ص: 21 – 26.

٧٧ / ٨٩