الشعر والهوية القومية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشعر والهوية القومية

الجزء ١ · صفحة ٨٣

6 – تعامل الشّاعر مع اللّغة العربيّة تعاملاً قوميًّا

ضمن الرّسالة القوميّة التي تحمّلها الشّاعر، حاول الارتقاء باللّغة العربيّة إلى ما يؤهّلها لتنهض بالثّقافة الإسلاميّة، وتُركِّز الهويّة في النّفوس. فكان في هذا الاستعمال يستغلّ العاطفة الدّينيّة في المتلقّين والمخاطبين، فيقدّم أفكاره ومشاعره في سياق من الألفاظ القرآنيّة التي تحمل دلالات تعين على إثارة عاطفة، أو تساعد على تصحيح فكرة، أو تسعى إلى زرع أمل ونزع يأس، وتحثّ على النّهوض لمقاومة الظّلم والانحراف، والقيام من الكبوة، والخروج من التّخلّف، ممّا كان القرآن الكريم قد استعمل فيه هذه الألفاظ اللّغوية، أو كان الشّاعر يوجّهها لتخدم غرضه.

أحسّ مفدي زكريّاء – ومثله الشّعراء الجزائريّون – بالخطر الذي يهدّد اللّغة العربيّة، وبالتّبع ينذر بمصير مشؤوم للإسلام، ومآل مجهول للهويّة. فقاموا بمحاولات جادّة لتدارك الوضع، فكان من بين المبادرات الرّائدة الجادّة محاكاة الأساليب البيانيّة العالية، كالقرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربيّ الرّفيع … وقد كان دافعهم في ذلك دينيّا اجتماعيّا قوميّا، وهو إنقاذ الثّقافة العربيّة الإسلاميّة من التّردّي والاستلاب. ثمّ نفسيًا، وهو الخروج من الغربة الفكريّة؛ بالعمل على الارتباط بالأصول الحقيقيّة، عن طريق الاغتراف من المنابع الصّافية. وهذا ما يضمن سلامة الانتماء، ويثبّت حقيقةَ الهويّة.

فهم مفدي زكريّاء – مثل شعراء الأصالة – " من الهجوم الاستعماري على اللّغة العربيّة أنّه محاربة للهويّة الإسلاميّة وللانتماء العربي، لهذا قاوموا هذا التّيّار والاتّجاه، الذي يرمي إلى الإنقاص من قيمة اللّغة العربيّة، ومحاولة قطع الصّلة بينها وأصولها ومنابعها. فكان الرّجوع إلى القرآن الكريم ضرورة تمليها طبيعة المعركة الضّارية من أجل البقاء.

٨٢ / ٨٩