الشعر والهوية القومية
الجزء ١ · صفحة ٨٥2 – إلى عمليّات التّشويه والتّزييف والإنكار والجحود، التي تتلقّاها اللّغة العربيّة من أبنائها.
3 – إلى المهانة والذّلّ اللّذين يصيبان من ينكر لغته، ويروم الانفصال عنها.
4 – إلى الضّياع والتّيه، اللّذين يتعرّض لهما من لم يكن حصنُه وحضنُه لغتَه.
كلّ هذه الإشارات تصبّ في خانة صيانة الأرومة، وحماية الأصالة، ورعاية الهويّة …
هذا هو الشّعر الذي يحمل رسالة، رسالة التّصحيح والتّثبيت، والتّأصيل، والدّفاع والنّهوض، والحماية والهداية … كلّ ذلك يساعد على تبيان الهويّة، ودفعها إلى الاستماتة من أجل البقاء والاستمراريّة. يقول صالح الخرفي: " ومع الإصرار الانتمائي تتصاعد المقوّمات الأساسيّة للوطن، وتبرز الملامح المميّزة له، التّاريخ بذكرياته الماثلة، الدّين بعقيدته وإيمانه، القوميّة بأصالتها وعراقتها، اللّغة بثرائها وحضارتها، ويتغنّى الشّعر بعروبة الثّورة وعروبة الجزائر، كما لَم يتغنَّ بها من قبل، وتنطلق القوميّة انطلاقة شعريّة، فيها من الاحتباس الخانق لها طيلة الاحتلال الفرنسي، وتطفو لفظة (العروبة) على كلّ بيتٍ في كلّ قصيدة، وكأنّ الإصرارَ من الطّرف الآخر على أغنيّة (الجزائر قطعة من فرنسا)، يزيد من جموح هذه اللّفظة، وإلحاحها على الأبيات والقوافي. "(1)
هذه العناصر التي تكوّن الهويّة، وهذه الأفكار، وهذه المقوّمات، التي سجّلها الدّكتور صالح الخرفي، هي التي تناولها الشّاعر مفدي زكريّاء في شعره، وهو يعالج موضوع الهويّة.
في الحقيقة إنّ الارتباط بالوطن والرّموز التّاريخيّة، واللّغة القوميّة … هي قدر مشترك عند كلّ الأمم، التي تريد المحافظة على هويّتها. فعلينا أن نتأمّل ونتملّى جيّدًا شعر مفدي زكريّاء؛ لنعرف هذه العناصر. ثمّ لنقف على الدّلالات التي يحملها تناوله لها، ونفقه الرّسائل التي يوجّهها إلى كلّ وطنيّ غيور، وكلّ حرّ أصيل. وبعد ذلك نقول: إذا ما أردنا أن نحفظ لأمّتنا أصالتها، وأن نرعى لشبابنا هويّتهم، وأن ننأى بنابِتَتِنا عن أفخاخ الغزو الفكري، وأن نبتعد برعايانا عن أشراك الاستلاب الثّقاقي، وأن نهرب بناشئتا عن وباء عقوق الأصول، والمروق من السّبيل السويّ، وأن نجنّب أنفسنا وأبناءَنا مشانق الانتحار الفكري … فما علينا إلاّ أن نتفقّد مكانة هذه المقوّمات في تفكيرنا وتخطيطنا، وفي مناهجنا وبرامجنا، وفي تربيّتنا وتنشئتنا، وفي مشروعاتنا ومبادراتنا، وفي نوايانا وطوايانا وزوايانا … ونرجع إلى ما عالجه مفدي زكريّاء في شعره في موضوع الهويّة: تسجيلا للمقوّمات والقيم الأصيلة. وعرضًا للواقع الذي كانت تعيشه الجزائر. ونقدًا وانتقادًا لما راقه، وما لَم يرقهُ. وذكرًا للأسباب والعوامل وما كان، ومن كان خلفها، إيجابًا وسلبًا. وعرضًا
(1) الشّعر الجزائري، ص: 258.