الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية طارق بن ساسي بن سعيد الشيباني

Alsaidia_731_Original

الجزء ١ · صفحة ٦١

روح التقريب في المذهب الإباضي

من خلال ما تم عرضه في الصفحات السابقة يمكن أخذ فكرة ولو يسيرة عن المدرسة الإباضية وبعض أعلامها، وأنها لا تختلف عن المدارس الفقهية الأخرى إلا في مسائل معدودة في الفقه لا يعد الخلاف فيها خلافاً في الأصول، بل هو خلاف فرعي، ومن ثم فقد كان هناك تقارب منذ القرون الأولى التي دُوِّنَ فيها الفقه الإسلامي، قد يبتعد هذا التقارب وقد يقترب، بحسب الظروف السياسية ونشاط التعصب المذهبي من كل طرف في فترات من التاريخ، وبسبب مجاورة المدرسة الإباضية للمدرسة المالكية والشافعية في شمال إفريقيا وعُمان وُجِدَ هذا التقارب بين هاتين المدرستين أكثر من غيرهما، وإن المتتبع لتأليف الإباضية يجدهم ينقلون عن غيرهم من بقية المذاهب، في الفقه والحديث، وغيرهما، ولعل كتاب «الجامع» لابن بَرَكَة البهلوي خير مثال على هذا التقارب.

ففي مجال الفقه ينقل ابنُ بَرَكَة أقوال مالك والشافعي وأبي حنيفة، وكتابه طافح بالنقل عنهم، بل إنَّ عِبَارَتَهُ الآتية تُعَدُّ مثالاً واضحاً للاحترام الذي يكنّه لهؤلاء الأعلام الأفاضل، ففي كلامه عن علة ربا الفضل في الأصناف الستة الواردة في الحديث النبوي نَقَلَ قَوْلَ الشافعي ومالك وأبي حنيفة فقال: «ألا ترى أنهم قد اختلفوا في العلل التي قد أثبتوها أُصولاً لهم وتأويلاً يرجعون إليه، ومعقلاً يفزعون إليه في استنباط الحكم عند الحوادث النازلة بهم، التي لا نص عليها باسمها. فقال الشافعي: عِلَّةُ الربا في المأكول