الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٠اكتشفه في مقلة الحبيب، بل إنّ الحسن كان يحسب أو يعرف متوزّعا بين النّاس، فلمّا ظهر المحبوب صحّح الاعتقاد؛ حين وجد هذا الحسن مجتمعا فيه فقط. كما أنّ الشّاعر لم يتأكّد من حقيقة الحور المكنون في الفردوس يوم القيامة إلاّ حين رأى حسن الحبيب وجماله، هذا ما زاده إيمانا بربّه، الخالق المبدع المصوّر أحسن التّصوير …
حتّى الأشياء المحسوبة في ميزان الجمال، والتي أصبحت مضرب الأمثال في الحسن والفتنة، لم تكسب هذه المواصفات إلاّ من صفات الحبيب، فالبرق اكتسب شبها بالحبيب من لمعان ثغره، والغزال تعلّم صفة التّمنّع والنّفرة من الحبيب .... إلى غير ذلك من الصّور المتلاحقة المتساوقة، التي أرادها الشّاعر هكذا مترادفة لتفصح عن حقيقة ما يدور في قلبه، وما يشعر به.
في سبيل ذلك بنى الشّاعر صوره على طريقة القدماء في تركيب صورهم، أعني الاعتماد على البلاغة. فنجد للاستعارة حظّا وافرا في هذا البناء. دجى طرّته، ليل طرّته، صبح عرّته، نار خدّيه، قامت بتأييده آيات عبرته، قام يدعو بلال الخال، روى لي عنها سحر مقلته … وكان للتّشبيه حضور أيضا كقوله: واسودّ كالخال غيظا مثل حبّته، وفي الأمثلة التي عددناها استعاراتٍ، تحمل دلالة التّشبيه: فالطّلعة نور، والوجنة نار، والرّيق خمر، والفتنة نار، والطّرة ليل، والغرّة صبح، والمسك قُبلة، والنّسك قِبلة، والحسن بحر …
اعتمد – أيضا - الجناس عنصرا في تركيب بعض الصّور: والمسك قُبلته، والنّسك قِبلته، وجنته ومهجته، أبهى وأبهر، طرّته وغرّته …
كما استند إلى الثّنائية في إبراز المشاعر، سواء كان ذلك عن طريق التّقابل أم التّناظر، التّضاد أم التّرادف: نور ونار، ليل طرّته وصبح غرّته، منقسم ومجتمع، السّلم والحرب، الذي تشير إليه الفتنة قي قوله: قد كنت في السّلم ذا جهل به، ومتى … تلهّبت قلت: شبّت نار فتنته
لجأ الشّاعر إلى المبالغة ليصوّر حقيقة مشاعره وعواطفه، وليزيّن وصفه في نفوس قارئيه ومستمعيه:
لا زلت مستكشفا عن (بابل) خبرا … حتّى روى لي عنها سحر مقلته
والمسك ضاع شذا من طيب نكهته … واسودّ كالخال غيظا مثل حبّته
وقيل لي: الحور في الفردوس باهرة … فما تحقّقت إلاّ عند رؤيته
وأنت يا برق لو لم تكتسب شبيها … من ثغره لم تحر فخرا بنسبته
وأنت يا ظبي ما حاكيته أبدا … لكن تعلّمت منه حسن نفرته