الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١١قد يكون الشّاعر غير صادق فيما ذهب إليه، إنّما سار على هدي أسلافه من الشّعراء في تقديم صور نمطيّة للحبيب، صور مبتذلة مستهلكة، لا تقدّم أيّ دليل على حرارة الحبّ، أو درجة الهيام، ولا تُسْعِفُ بأيّ دليل للصّدق في الارتباط بالمحبوب، وقد يكون ما قدّمه هو تقليد سار عليه؛ بصفته شاعرا يقتفي سنن الشّعراء القدامى، الذين يبدؤون قصائدهم بمقدّمات غزلية، من دون أن يكون لما قدّموه علاقة بالصّدق العاطفي، وشاعرنا يتنفّس بشعره في جوّ القصيدة القديمة في كثير من معانيه وفنّه. ومعلوم أنّ هذه الأبيات الغزليّة كانت مقدّمة للحديث عن السّلطان فيصل بن تركي. ويلاحظ على كثير من الشّعراء العمانيّين ذوي الاتّجاه المحافظ الميل إلى بدء قصائدهم بمقدّمات، تشبه مقدّمات القصائد الجاهليّة، من حيث الأسلوب، وإن اختلفت عنها في مضامينها.
مهما يُقَل في هذه المبالغة من حيث صدقها وعدمه، أو فنّيتها وخلوّها من الفنّ، فإنّها تبقى مبالغة تقبل من شاعر يحاول فعلا أن يعبّر عن حقيقة ما يحسّ به، أو يجتهد في أن يفرغ أحاسيسه في قالب، ويستغلّ فرصة يراها سانحة، حين لا يجدها مهيّأة في كلّ وقت، وبخاصّة وهو يعيش في مجتمع محافظ، لا يقبل بهذا الأسلوب المباشر في التّعبير عن المكنون في القلب، فيكون في إقحام هذا الإحساس في موضوعات أخرى، أو التّحايل على الوضع، أو التّستّر بأسلوب، يبعد عنه التّهمة في ممارسة ما لا يرضى به المجتمع، كأن يضع ذلك في مقدّمة غزلية لقصيدة، هي أصلا وضعت للحديث عن المآثر والمكارم والأفضال، وهو بذلك يصيب هدفين برمية واحدة: التّنفيس عن النّفس وإثارة مشاعر المتلقّي؛ بفضل هذا التّناول وهذا التّشخيص المتّسم بالمبالغة. و" الصّورة تشخيص للحالة النّفسية، ومحاولة لإثارة المشاعر في المتلقّي؛ لذا فهي تسعى إلى الاتّضاح عن طريق الإيحاء والإشارة، وقد تعتمد المبالغة في تقديم المعنى أو عناصره المهمّة. كما يرى ذلك الدّكتور جابر عصفور" (18)
مهما يقل عن هذه الصّور، والمبالغة التي تتّسم بِها، وعن نَمطيتها، فإنّها تبقى شاهدة على مهارة الشّاعر في التّصوير؛ لِكثرة الصّور التي أتى بها، التي لم تُخِلَّ بالخيط النّفسي العام الذي انتظم مشاعره. كما أنّ هذه الصّور رغم قدمها ونمطيتها؛ قد جمّلها التّعبير البديعُ، وزيّنها التّركيب المحكم، ووشّتها اللّغة الشّاعرة الصّافية السّهلة.
تعدّدت القصائد التي حشد فيها الشّاعر ابن شيخان السّالمي صورا متتالية متتابعة. قال وهو يتحدّث – أيضا – عن السّلطان فيصل بن تركي:
خيام ما يطاولها السّحاب … وشهب في البسيطة أم قباب؟
وأطناب بأوتاد أنيطت … أم الجوزا بأيديها شهاب؟