الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٩

ونفوس الأكوان تصغي إليه … في ازدحام كمرسلات العراك (16)

عند محمد بن شيخان السّالمي أيضا تتكرر ظاهرة الإتيان بصور متتابعة مترادفة لوصف مشهد واحد، أو تصوير موقف واحد. قال في مقدّمة مدح السّلطان فيصل بن تركي أبياتا غزليّة:

في نور طلعته، أو نار وجنته … لا بأس للصّبّ أن يرمى بمهجته

بالله يا نور ذلك الوجه نسألكم … هداية في دجى من ليل طرّته

وأنت يا نار خدّيه أما لحشى … فيك اصطلى نهلة من خَمر ريقته

قد كنت في السّلم ذا جهل به ومتى … تلهّبت قلت: شبّت نار فتنته

مذ قام يدعو بلال الخال منتصبا … بمنبر الخدّ صرنا أهل دعوته

يا عاذل الصّبّ، دعوى الحبّ ظاهرة … قامت بتأييدها آيات عبرته

أليس للصّبّ عذر في محبّته … من ليل طرّته أو صبح غرّته؟

لا زلت مستكشفا عن (بابل) خبرا … حتّى روى لي عنها سحر مقلته

والمسك قُبلته، والنّسك قِبلته … أنعم بقُبلته! أكرم بقِبلته!

والمسك ضاع شذا من طيب نكهته … واسودّ كالخال غيظا مثل حبّته

وكنت أحسب أنّ الحسن منقسم … في الخلق حتّى رأينا حسن صورته

فبان لي أنّ بحر الحسن مجتمع … فيه، وما شذّ عنه مثل نقطته

وقيل لي: الحور في الفردوس باهرة … فما تحقّقت إلاّ عند رؤيته

آمنت بالله منشي الكائنات فما … أبهى وأبهر من آيات فطرته!

أنتنّ يا نسمات الصّبح طيّبةٌ … حيث ارتشفتنّ من آثار نفحته

وأنت يا برق لو لم تكتسب شبها … من ثغره لم تحر فخرا بنسبته

وأنت يا ظبي ما حاكيته أبدا … لكن تعلّمت منه حسن نفرته (17)

حشد الشّاعر مجموعة من الصّور المتتابعة، التي أوحت به إليه هذه الرّغبة في الإفصاح عن مكنون الحبّ، وألهمت إيّاه تداعي الصّبابة، ووقعُ الغرام، وشدّةُ الهيام. فطلعة الحبيب نور مضيء، ووجنته نار تلهب القلب، هذا النّور هو رجاء الهداية إلى ليل شعر المعشوق، ونار الخدّ أمل في تبريد ما في الجنان من حرقة، يطفئها علّة بعد نهلة من رحيق الرّيق.

هذا الجمال الذي يتمتّع به المحبوب، جعل الشّاعر المتيّم من أتباعه ومريديه، بعد أن أذّن بلال الخدّ فيه قائما، يدعو إلى التّوجّه نحوه. هذا الحسن الأخّاذ جعل حدّا لبحث الشّاعر عن بابل الحسن؛ لأنّه

٩ / ٥٤