الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٨

كما كانت الصّورة التي يعبّر بها العربي عن سرعة النّاقة في سيرها في الهاجرة (أنّها تتقاذف الحصى بين أرجله) ملهما للشّاعر كي يبيّن سرعة الرّجلين في المشي وهما يقطعان الفيافي والقفار. قال الشّاعر القديم:

ترمي يداها الحصى في كلّ هاجرة … رمي الدّراهم تنقاد الصّياريف

قال الشّاعر عبد الله الخليلي:

واسبكرّا سعيا إلى الله في البيـ … ـد كأنْ يرميان فيها الجمارا

عن هذة الحركيّة التي أعطاها الشّاعر لتصويره، يسجّل الدّكتور أحمد درويش تعليقا مهمّا، ويقدّم ملاحظة جيّدة، تعظّم من التّصوير الذي أتى به الشّاعر: " … أنّ التّركيز في الحركة انتقل من الجزء الأعلى في الجسد، ممثّلا في الذّراعين والأعين في اللّقطة الأولى، إلى الجزء الأسفل، ممثّلا في الأقدام التي ترمي الجمار في اللّقطة الثّانية. وكأنّ الذي يسير، جدّ به المسير فخفض بصره وتتابعت خطاه وحدها. والتّعبير من هذه النّاحية جيّد والصّورة معبّرة. لكن الحركة ليست سرعة فقط، إنّها سهولة أو صعوبة. إنّ الحركة قد تكون سهلة كحركة السّكّين في الزّبد، وقد تكون صعبة كحركة الفؤوس في الجدار. وهذا ما تعبّر عنه اللّقطة الثّالثة:

أخذا يقطعان قارعة الدّر … بِ كما تقطع الفؤوس الجدارا " (30)

هكذا نوّع الشّاعر في صوره؛ أصالة واستلهاما، وساير الموقف في حركته سرعة وبطئا، ودار مع المشهد صعودا ونزولا، وساير الأحداث نموّا وتطوّرا، وتدرّج معها واقعا ومنطقا. فقدّم في النّهاية صورا غاية في الجمال والفنّ والمغزى.

قد لا يكون للشّاعر دور كبير في هذا التّصوير، إنّما يرجع ذلك إلى طبيعة الأحداث، وسير الواقعات. نقول مع ذلك: إنّ صياغة ما وصفه الشّاعر، والتّركيز الذي اعتمده في الوصف، والخطّ الذي رسمه لتفاعل الأحداث والمواقف، والخيال الذي وجّهه لاختيار أسلوب التّعبير عنها، واعتماد طريقة تركيب الصّور … كلّ ذلك أعطى لتصويره هذه القيمة. كما أنّ لكلّ ذلك علاقة بإرادة الشّاعر ووعيه لعمليّة بناء الصّورة، الذي أعانه على توجيه الأحداث؛ لتوصله إلى هدفه ومرماه. إنّ هذا يدخل ضمن عمل القاصّ الذي يحبك قصّته بقصد معيّن، وتوجّه مقصود.

خلاصة الفول: إنّ هذه القصيدة مثال جيّد وحيّ للاعتماد على التّصوير في الشّعر القصصي. وفي تعديد الصّور والإتيان بها متتابعة. فقد أبدع الشّاعر حين قدّم صوره في تراكيب، اعتمدت التنوّع في بنائها، والمزاوجة بين التّصوير المعنوي والحسّي، والتّدرّج في التّصوير، وتبنّي النّموّ فيه، ومخاطبة مجموعة من

١٨ / ٥٤