الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٩

الحواسّ، واستلهام آثار الآخر والتّراث، واختيار جزئيات معيّنة في سيرورة الأحداث وتوجيهها بما يخدم غرضه وهدفه، واللّجوء إلى الخيال لملء الفجوات، وإثارة المتلقّي، مع ترك الفرصة له – في بعض الأحيان – كي يستنتج ويعلّق، ويتوقّع ويدقّق … مع الانقياد لما يوجّهه إليه؛ وذلك من خلال الصّياغة والحبكة اللّتين اعتمدهما الشّاعر.

فعل كلّ هذا، مع التزامه بالخطّ العام الذي اختطّه لقصيدته، وفسحه المجال للخيط النّفسي أو الوحدة النّفسية أن تفرض وجودها في القصيدة. وهو ما منحها هذا التّرابط والتّماسك والانسجام. إذ: " الصّورة الشّعريّة لا تستمدّ فعاليتها من كونها صورة تثير في القارئ جانبا تخيّليا مضاعف الدّلالة، بقدر ما تعتمد على سيرورة متشابكة العناصر، تتكامل ضمنها مجمل الصّور الجزئيّة، وتتضاعف كي تضاعف الدّلالة في مستوى النّصّ برمّته." (31)

القصيدة بصفة عامّة حوت ما يطلب في الصّورة الشّعريّة من أفكار وصور جزئية وعاطفة وإيقاع … جمع بينها خيط نفسي، وفّر للقصيدة الوحدة النّفسية: " ولا ينبغي أن يتصوّر الأسلوب من غير العناصر الأدبيّة، وهي الأفكار والصّور الجزئيّة والعبارة والإيقاع والعاطفة. وبهذه المقوّمات تكون وحدة النّصّ في العمل الأدبي، بحيث لا يتأتّى الفصل بين عناصره، ولا يُسقط جزْء من أجزائه. " (32)

هذه نماذج من القصائد التي أردف فيها الشّعراء صورا متتابعة متلاحقة، نعرض في الصّفحات الآتية بعض الصّور المنفصلة، استكمالا للدّراسة.

يميل شعراء الاتّجاه المحافظ - كما قلنا سابقا – إلى بناء صورهم من البلاغة، ويأتي التّشبيه في الدّرجة الأولى، ولذلك أسباب، ترجع إلى طبيعة التّشبيه، حسبما يذكر ذلك الدّكتور أحمد الهادي الطّرابلسي: منها سهولة بنائه، إذ يعتمد على الحاسّة البصريّة، وما أيسر أن يلتقط الإنسان بعينه مشاهد ومناظر، تبقى البراعة في كيفية التقاط ما تقع عليه العين، وفي طريقة تقديم ذلك للمتلقّي، في أسلوب جميل وفنّي. ومنها السّمة العقلانيّة الصّارمة التي يمتاز بها التّشبيه، في محافظته على التّمايز والانفصال بين العوالم التي يحاول التّقريب بينها. (33) إنّ هذا يتماشى مع طبيعة الشّعراء المحافظين، الذين يمثّلون الاتّجاه الكلاسيكي في الانتماء والتّمذهب، والكلاسيكيّة معروفة بتمجيدها للعقل، وتعاملها في كلّ شيء بِما يمليه العقل، وتَقيُّدِها بالقواعد، التي هي نتاج العقل.

قال ابن شيخان السّالمي:

بتنا على سمر ألذّ من الكرى … وأرقّ من ماء الغمام الرّاشح

وسنان من خمر التّصابي واللّمى … يقظان من شدو الحمام الصّادح

١٩ / ٥٤