الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٠نَبَّهْتُهُ من سكرِ خمرةِ ريقه … فأفاق، لكن مال وهو مصالحي
لمّا بدا ضوء الصّباح تمايلت … أعطافه رغدا بنهج نازح
ورنا إليّ ونصّ جيدا حاليا … فتحدّثوا عن ذا الغزال السّارح (34)
يحكي الشّاعر مطارحته لحبيبه، ومبيته بجنبه، ويصف تمتّعه بمحاسنه، وتلذّذه بما قام به معه. صوّر ذلك معتمدًا على التّشبيه، يصف به هذه اللّحظات الهنيئة التي قضاها مع هذا الغزال. سمره معه كان ألذّ من الكرى متعة، وأرقّ من الماء الصّافي عذوبة، ما ناله من ريقه وارتشفه من لماه كان أحلى من الخمرة نشوة، حين أصبح الصّباح أفاق الحبيب من سكرته ووسنه، فتمايل نحوه طربا وغنجا ودلالا، كما تتمايل الأغصان وتترنّح …
لقد أبرز التّشبيه ما أراد الشّاعر أن يفصح عنه من مشاعر الطّرب والانتشاء والمتعة، التي حصل عليها بقربه من غزاله، وما جناه منه بهذا القرب. زيّن هذا التّصوير عمدُ الشّاعر إلى وصف ما حوله من آيات، وزادت المشهد نشوة ومتعة سماع أصوات جميلة صادرة من الحمام الصّادح، وكأنّه يشارك الشّاعر بهجته، أو يهيّئ له جوّ الانتشاء، وقد قدّم ذلك بأسلوب المقابلة:
وسنان من خمر التّصابي واللّمى … يقظان من شدو الحمام الصّادح
تتشابه الصّور التي يقدّمها الشّعراء في وصف لحظات التّصابي، وتصوير حالات الانتشاء بالقرب من الحبيب، وتتشابه الأساليب أيضا. فهذا الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي يقدّم الأوصاف نفسها – تقريبا - ويعمد إلى التّشبيه، وهو يبيّن حالات التّصابي التي تصاحب فترة الشّباب. وتبقى الصّور المقدّمة متشابهة، هناك ثغر يرسل رضابا رقيقا كالخمر، عذبا كالغدير، صافيا كالماء، وهناك شفاه ولمى تتفتّح عن أسنان بيضاء كأنّه الطّلع. وعيون تقتل بنظراتها الحادّة كما يقتل السّيف الصّارم:
بين نفح الصّبا وبين الشّباب … صلة في تفاعل جذّاب
وعليه من مسرح الأنس سرب … من أمان نديّة الجلباب
وعيون يرنو بألحاظها السّحـ … ـر كما سلّ صارم من قراب
وشفاه كرقّة الخمر تفـ … ـترّ عن الطّلع في غدير الرّضاب (35)
وفي لوحة أخرى يقدّم ابن شيخان أوصافا لا تخرج عمّا سبق ذكره، مع إضافة تشبيهات أخرى:
هذا الحبيب سرى بصبح جبينه … وأتى وقد صدع الدّجى بفرنده
رشأ تربَّي في النّعيم بروضة الجر … داء، لا بحمي الغوير ونجده
لله من وادي الأراك مبيتنا … ولَّى وما سمح الزّمان بردّه