الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢١

حصباؤه هي أم نجوم مجرّة … نثرت عليه؟ أم جواهر عقده؟

تسري الصّبا بجسومنا فكأنّها … نسجت من الدّيباج أطيب برده

نعطو الحديث عتابنا فيميلنا … طربا، ويأتينا الغرام بجنده

أرد الرّضاب وأجتني من خدّه … وردا، ففزت بوَرده وبوِرده

أطفى صداي بنهلة من ثعره … وشفا جواي بقبلة من خدّه

يا خجلة من خدّه، وطلاقة … من وجهه، ورشاقة من قدّه (36)

الحبيب – دائما – له وجه كالصّبح وضاءة ونورانيّة، وشعرٌ أسود كالدّجى، وهو رشأ في حسنه وجماله. وريقُه رضاب وخمرة، وخدُّه ورد. والغرامُ يهجم على المتيّم بجنده وسيوفه وفرنده. والشّاعر ابن شيخان يعشق المبيت مع الحبيب، حين تغفو العيون، وتغفل النّفوس …

هكذا يستند الشّعراء إلى التّشبيه لتقديم هذه اللّوحات، مع الاستعانة في هذا التّصوير بمحسّنات أخرى، يُمكن للقارئ كشفها بسهولة في الأبيات.

يلاحظ على هذه الصّور اعتمادها على الصّور القديمة، وعلى ما ألف الشّعراء وصف محبوباتهم بها، كما أنّ كثيرا من الألفاظ التي وردت في اللّوحات الثلاث مشتركة أو مكرّرة. (المبيت، الخمر، الرّضاب، الصّبا والتّصابي، رنا، الرّقة، الفرند والصّارم والجند …

من شعر أبي مسلم البهلاني الذي عمد فيه إلى التّصوير بواسطة التّشبيه، نذكر هذه الأمثلة:

هي النّوى جعلتني في محاجرها … مثل الخيال وروحي ثمّ جثمان (37)

يعبِّر الشّاعر عن تأثّره بالغربة وبعده عن وطنه عمان، وكيف أثّر فيه الحزن والحسرة، حتّى غدا هيكلا، بل خلقا لا يكاد يرى، كالخيال الذي لا تراه العين. كأنّي بالشّاعر يستلهم قول المتنبّي:

كفى بجسمي نحولا أنّني رجل … لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني

المعنى طرقه كثير من الشّعراء من قبل كابن الرومي وغيره. المهمّ إنّ أبا مسلم وجد في التّشبيه وسيلة مهمّة لتصوير ما يحسّ به، كما فعل مع الصّورة الآتية:

يا للرّجال دماء المسلمين غدت … هدرا كما عبثت بالماء صبيان (38)

زفرات حارّة يرسلها الشّاعر على ما آل إليه أمر المسلمين من مهانة وهوان، ومن ردّة ورداءة وتردٍّ. في سلسلة من الأبيات التي استهلّها بِـ " يا للرّجال " يَنْعَى فيها الخذلان والتّقاعس والذّلة … هو بذلك يصوّرا الحالة المتردّية التي صار عليها المسلمون من الهوان والرّخص، ومن فقدان دمائِهم حرمتها، بسبب قلّة الغيرة عليها، فتركت للأعداء يعبثون بها.

٢١ / ٥٤