الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٢لم يجد الشّاعر أحسن صورة يقدّمها لهذه الحالة سوي تشبيه عبث الأعداء بهذه الدّماء بلعب الصّبيان بالماء. فالماء الذي له قيمته وأهمّيته ترك في أيدي الأولاد يهينونه، كذلك إنّ الدّماء التي لها حرمتها وقيمتها تخلّى عن حمايتها أصحابها، وتركت للأعداء يفعلون بها ما يشاؤون. صوّر هذا بواسطة التّشبيه التّمثيلي.
وقال عن الدّنيا وتعلّق النّاس بها، وتمنِّيهم فسحة الأمل للعيش فبها، مع أنّها لا تدوم، ولا تقدّم للإنسان سوى الكدر والنّكد، عمد في تصوير ذلك إلى تشبيه شيء معنوي بآخر معنوي:
وهل نقضي سوى عيش قصير … أَجَبِّ الظّهر مقبوب الوضين
نمنِّي فسحة قُبِضت عليه … على غصص كأوقات السّجين
وعيش حشوه كدر وسوء … يلذّ على مداهنة الضّنين (39)
يعلّق الأستاذ محمد بن ناصر المحروقي على هذا التّشبيه قائلا: " فالمشبّه هو (فسحة)، ووجه الشّبه (منعها أم قبضها)، وأداة التّشبيه (الكاف)، والمشبّه به (أوقات السّجين)، وفي البيت نكتة لطيفة، حيث شاكل الشّاعر بين أمرين معنويين: الأوّل الفسحة، والثّاني أوقات السّجين. ووجه الشّبه يبدو موفقا؛ ففي الأمرين غصص وتنكيد، فالفسحة التي تنتظر ويتوقّع أن تكون مريحة، تأتي وهي ثقيلة مثلما تمرّ أوقات السّجين. فالمشبّه وإن كان فسحة لفظا، إلاّ أنّه سجن معنى، لذا يمرّ في غصص، وفي هذا ما لا يخفى من معاناة الشّاعر من وطأة الاستعمار وتحكّمه به، وتلاعبه بالألفاظ؛ حيث يسمّي الاستعمارُ الأمورَ بغير مسمّياتها، ويمنح المستعمَرين ما يسمِّيه بالفسحة، وهو في حقيقته غصص ونكد." (40)
إنّ الشّاعر لا يوفّق دائما في بناء صور جيّدة من التّشبيه. بل قد يكون له عائقا في عمليّة التّصوير، وبخاصّة إذا اعتمد على صور غيره، من دون أن يحسّ لها القارئ حرارة أو عاطفة صادقة. مع العلم أنّ التّشبيه يوحي بأنّ هناك انفصالا بين المشبّه والمشبّه به، نقرأ ذلك في الأثر الأدبي الذي ينشئه الفنّان، ونعرفه من خلال التّعريف الذي قدّمه المنظّرون للتّشبيه. يقول ابن رشيق القيرواني: " التّشبيه صفة الشّيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة، أو من جهات كثيرة، لا من حميع الجهات؛ لأنّه لو ناسبه كليّة لكان إيّاه." (41)
قال ابن شيخان السّالمي يصف معركة وقعت بين قبيلتين، وكيف تمكّنت إحداها من الانتصار على الأخرى، وكان ذلك بسبب قوّتها وشدّة بأسها. لجأ في هذا التّصوير إلى التّشبيه. قال:
فكأنّ الجيش سيل عرم … وهم عند تلقّيه سبا
وكأنّ الصّمع نار لمعت … وله الأجسام صارت حطبا