الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٣وكأنّ السّيف والهام بها … منبر قامت عليه خطبا (42)
بالرّغم من استلهام الشّاعر صورة قرآنية، نقلت إلينا ما حدث لمملكة سبأ، حين أرسل الله عليها سيلا عرما، فهدّ السّدّ الذي كان له دور في حضارة المملكة؛ انتقاما وعقابا على كفرهم وإعراضهم. قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ بِجَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكْلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إَلاّ الكَفُورَ﴾ (43) رغم ذلك فإنّ الصّورة تبدو ضعيفة وغير مصوّرة للمشهد الذي أراد الشّاعر تجسيده.
قد يكون الشّاعر قد قصد المعنى الذي دلّ عليه التّعبير القرآني، أي أنّ هزيمة القبيلة الثّانية، كانت انتقاما ونكالا بها، جاءها العقاب سيلا عرما من القبيلة الغالبة. مع ذلك يبقى التّشبيه دون المستوى من حيث التّأثير العاطفي، ومن حيث القيمة الفنّية. وضعف التّصوير يبدو في التّشبيهات الأخرى: الصّمع نار، الأجسام حطب، السّيف والهام بها خطباء على منبر.
من الصّور التي يبدو فيها الضّعف، ولم يكن للتّشبيه فيها دور في تصوير مشاعر الشّاعر، أو لم يكن لها تأثير في نفس المتلقّي الصّورُ الآتية: قال أبو مسلم البهلاني في الشّيخ عبد الرّحمن بن سالم الرّواحي:
هزّك الفضل والفتوّة والسّؤ … دد والمجد كاهتزاز السّيوف
أنت منّا كدرّة التّاج في التّا … ج ومثل الرّبيع حذو الخريف (44)
وقوله في حقيقة من يستمسك بالدّنيا، ولا يعرف ما تنطوي عليه من شرور، بل يعيش على هذه الشّرور والخبث، مثلما يعيش الجعلان في الكنيف، قدّم هذا بأسلوب التّشبيه الضّمني:
ببني الدّهر علّة ليس تشفى … بدواء حتّى لقاء الحتوف
لا تحاول علاجهم بكمال … آفة الدّهر في كمال الشّريف
وتموت الجُعلان في نفحة الطّيـ … ـبِ وتحيا سعيدة في الكنيف (45)
أمّا ابن شيخان السّالمي، فيبقى غارقا في غزله، ويظلّ يبحث في كلّ مرّة عن تعبير ملائم لحاله، أو تصوير منسجم مع مشاعره، فينجح أحيانا، ويخفق أخرى. لم ينجح - هذه المرّة - في تصويره، فجاءت صورته المستلهمة من القرآن الكريم باهتة ضعيفة. قال:
فاز ذاك الخال، لكن … بين نار الوجنات
مثل ما فاز خليل اللّه من نار العداة (46)
ومن شعر عبد الله الطّائي يصوّر فيه حنينه العارم، وشوقه الشّديد إلى وطنه عمان، هذه الأبيات التي بنى فيها صوره من التّشبيه، لكنّها بدت بسيطة، بل ضعيفة: