الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٤أبدا على عيني وملء فؤادي … تبدو رؤاها رائحا أو غادي
فكأنّما هي للفؤاد نجيبة … وكأنّها للعين نور هادي
أحيا على الذّكرى فإن فارقتها … أمسى منامي مثل شوك قتاد
فارقتها جسما وعشت خليلها … ذكرا يقضّ مضاجعي ووسادي (47)
لجأ الشّعراء أيضا إلى الاستعارة في بناء صورهم. نكتفي بأمثلة من شعر أبي مسلم البهلاني. من الاستعارة التّصريحيّة بنى أبو مسلم الصّورة الآتية، وهو يتحسّر على انقلاب الموازين، وتغيّر الأحوال، فقد تطاول الضعيف على القويّ، وتَجاسر الذّليل على العزيز، واستأسد النّذل علي الشّهم … بسبب التّخاذل والتّخلي عن الواجب ونقص الغيرة على الحرمات:
يا للرّجال لقد ذلّت حفيظتكم … إذا استطالت على الآساد حملان (48)
فاستطالة الحمل الوديع الضّعيف المهين على الأسد الهصور القويّ المهيب، تعطي صورة عن التّحوّل في حياة النّاس إلى الأسوأ والأنكى. وقد كان للاستعارة دور في تقديم هذه الفكرة أو الصّورة.
أمّا عبد الله الطّائي فيعتذر عن عدم استعداده لقول شعر؛ لأنّه يريد أن يريح قلبه قليلا، حين بدا الخليج هادئا بعد سنوات من الكفاح المرير من أجل كرامته، حسب تعبير الدّكتور أحمد درويش، فيلجأ إلى الاستعارة التّصريحية يبني منها صورته:
سََأَلَت: ْ هل لك في سهرتنا هذي قصيده؟
انظر اللّيل وقد رصّع بالأنجم جيده
وارمق الجوّ وقد لَحَّن بالصّمت نشيده
أفما حرّك في القلب أحاسيسَ جديده؟ (49)
من الاستعارة المكنيّة بنى أبو مسلم البهلاني صوره الآتية، وهو يصف أصحابه من أهل النّهروان؛ متأّثرا بسلفه أبي حمزة الشّاري، في وصف أصحابه الشّباب. قال في معرض هذا الوصف:
غرّ إذا سجد الظّلام على الفضا … سجدوا على الثّفنات كالأحجار
قطع النّحيب صدورهم وكأنّما … وضعوا السّحائب موضع الأشفار (50)
الظّلام يسجد معلنا دخول اللّيل وكأنّه إنسان يعي ما يفعل، ليفسح المجال لهؤلاء الأتقياء أن يقوموا بعبادة اللّيل. في التّعبير أيضا مشاكلة، بالمفهوم البلاغي. والنّحيب يتحرّك كالبشر ليقطع الصّدور، ويوجل القلوب، بسبب الخوف من الجليل، وخشية المعبود، والشّوق إلى جنّة الله.
من الصّور المبنية من المقابلة قول ابن شيخان وهو يصف نفسه: