الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٥وإنّي ضعيف الصّبر في كلفة الهوى … وإن كنت قوّاما لحمل العظائم
وفي مدح السّلطان فيصل بن تركي قال:
إذا اهتمّ في أمر تدانى بعيده … وباعد عنه مضعفات العزائم (51)
قال أبو مسلم البهلاني مخاطبا البرق، عساه يخفّف عنه معاناته وأساه، باجترار الهموم والتّسلي عنها، بكونه ما يزال يفكّر في وطنه، ولم ينسه، كما نسيه غيره، فكان يخاف أن تسري إليه عدوى الهجران والنّسيان والتّنكّر وعدم الوفاء:
يا برق حرّك همومي إن تكن سكنت … فكلّ حظّي نحريك وإسكان (52)
إنّ المقابلة والطّباق يبنيان من الجمع بين الضّدّين والمتناقضين والمتقابلين. هذه الطّريقة تساعد في - كثير من الأحيان - على بلورة المواقف، والإفصاح عن المكنون، وتصوير المشاعر. والفنّان المبدع قد يلجأ إلى الجمع بين المتباعدين ظاهريّا؛ بمحاولة إيجاد العلاقة بينهما، للكشف عن عالمه الدّاخلي النّفسيّ. هذه هي حقيقة التّصوير الشّعري، حسبما يقرّر (بول ريفردي P. Reverdy ) إذ يقول عن الصّورة الشّعرية بأنّها: " إبداع صرف، وهي لا يمكن أن تنبثق من المقارنة، وإنّما تنبثق من الجمع بين حقيقتين، تتفاوتان في البعد قلّة وكثرة … " (53)
من الوسائل التي اعتمدها الشّعراء أو لجؤوا إليها وسيلة التّجسيم. وفيها يحوّل الشّاعر المعنى إلى هيئة وصورة تقع تحت الحوّاس، أي تجسّم الفكرة في أشكال محسوسة، وتحوّل المجرّد إلى شيء منظور ومرئيّ. بمعنى: إنّ المعاني اللّطيفة الدّقيقة تبدو وكأنّ العين تراها؛ لأنّها تتجسّد أمامها؛ بفعل إرادة الفنّان الذي يتدخّل ببراعته وخياله وما يملك من فنّ ومهارة في صيرورة المعنى والفكرة وما هو مجرّد، إلى هيئة ظاهرة مشكّلة في ذهن المتلقّي. فـ " المعوّل في التّجسيم لا على المشابهة والمضاهاة، كما في التّشبيه الحسّي الخالي من الشّعور، بل المعوّل فيه على التّبديل والتّحويل والتّغيير والتّصيير. " (54)
قال عبد الله بن عليّ الخليلي موجّها كلامه لصديقه الشّاعر عبد الله بن محمد الطّائي، وفيه نلاحظ كيف صوّر الأشياء المعنوية تصويرا حسّيّا، بطريقة التّجسيم أو التّجسيد، بواسطة الاستعارة، حيث صيّر للحبّ لسعة ومرارة، وللغرام طعما حلو المذاق:
كيف تشكو، ولا أرى لك تشكو … لسعة الحبّ، ما لها من راقي
وعجيب من أن ترى الحبّ مرّا … إنّ طعم الغرام حلو المذاق
أنا لا أشكو وإن طال صدٌّ … من أخلاّي، أو طويل اشتياقي (55)