الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٦

كذلك بنى الشّعراء صورهم من التّشخيص، الذي يُعْنَى بمنح المعاني حياة، كما يحيا الإنسان، وبتحويل الأشياء في الطّبيعة إلى أشخاص، تتحرّك وتنبض بالحركة، وجعلها تدرك وتحسّ، وتتفاعل مع الإنسان في مشاعره وأفكاره وخواطره. وللتّشخيص علاقة بالشّعور في تحريك العمليّة الإبداعيّة، وتوجيه الخيال إلى التّفنّن في الإبداع؛ من هنا يراها العقّاد ملكة خلاّقة.

" بالتّشخيص يمنح الشّاعر المعنى حياة آدميّة، ويبعث في الفكرة حركة نابضة، وتسري في الخاطرة الألوان الشّاخصة والأشكال الإنسانيّة، وتلتهب المواد في الطّبيعة بالعواطف البشريّة، وتفيض مظاهر الحياة بالوجدان المتدفّق، والانفعال القويّ، ويصير غير الأحياء من النّاس أناسا يتعاطفون ويتجاوبون ويعشقون ويحبّون، وبذلك تتّحد مظاهر الحياة في طيّات سرّ الوجود." (56)

قال عبد الله بن عليّ الخليلي، وهو يصف حاله؛ معتمدا على التّشخيص، بانيا صورته من الاستعارة، حيث منح النّفس صفة المرأة التي اعتجرت بعباءة من الهموم والأحزان، وبذلك شخّص الشّيء الجامد (النّفس) ومنحها حياة وحركة وإرادة في التّحرّك، فبرزت أمام المتلقّي شخصا، تنبض بالشّعور، وتمتلئ بالحيوية، وتتحرّك طبقا لتلك المشاعر:

إذا اعتجرت نفسي بآلامِ بُعدهم … دوَت بين طيّات الضّلوع عواصف

فيا عاذلي حسبي جوى وصبابة … وحسبك في دين الهوى ما نقارف (57)

من القرآن أيضا بنى الشّعراء صورهم، وقد أبدعوا أيّما إبداع في ذلك. فقد تنوّعت أساليبهم في هذا التّضمين: بين اقتباس لفظ أو تعبير، ونقل صورة، واستلهام رمز … فمن اللّوحات البديعة التي نستنشق فيها عبير القرآن، ونلتقط منها صورا رائعة معنويّا وفنّيا أبيات من قصيدة قدّم بها الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي حديثه عن النّبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، عنوانها (علم النّبيّين صلّى الله عليه وسلّم). وكان من تداعي الخواطر، ومن طبيعة الموضوع أن يُجَرّ إلى استحضار أشخاص الأنبياء عليهم السّلام، فيختار نقطا بارزة في حياتهم، تبيّن قدرهم، وتبرز خصوصية من خصوصيّاتهم، يكشف من خلالها مكانة النّبيّ؛ علما وسيّد المرسلين:

يا أهل بيت المصطفين تحيّة … منّي إليكم، سيبها لا يقلع

يا أهل بيت الطّاهرين محبّة … بالعرف سلك نظامها يتضوّع

يقف الخليل ببرده وسلامه … فيها كما يجثو الذّبيح الطّيّع

ويقوم بالتّرحيب بين ضيوفه … خلف البشائر والملائك خشّع

ويبيت يعقوب تجاه قميصه … جذلا، ويعلو يوسف المتورّع

٢٦ / ٥٤