الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٧

وترى شعيبا وهو تحت وقاره … شيخا يلوذ به الكليم المفزع

وكأنّما الأسباط في عليائهم … دوح الحقيقة والمهيمن يزرع

وكأنّما موسى وعيسى بعدهم … علمان بينهما النّبيّ الأروع

علمان بينهما الرّسالة آية … وهما ومن دون المهيمن خضّع

تجلو " محمد " في ملامح وحهه … بيديه ألوية الزّعامة تحمع (58)

المثقّف بالثّقافة القرآنيّة، لا يعسر عليه إرجاع هذه الإشارات إلى مظانّها في القرآن الكريم، ولا يخفى عليه المعنى الذي قصد الشّاعر تثبيته في أذهان المخاطبين، وهو بيان مكانة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بين الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. ولا تنأى عنه دقّة اختيار إشارات معيّنة في حياة أولئك الرّسل، ومن ثمّ الوقوف على الصّورة التي نحتها الشّاعر من تلك الإشارات القرآنيّة، ممّا كوّن صورة بديعة ورائعة؛ فنّا ومغزى.

كان أنّ لبعض سور القرآن حضورًا بارزًا في كتابات الشّعراء. وقد استلهموها في التّصوير والتّعبير عن مشاعرهم وخواطرهم. كسورة الكهف، التي وردت فيها قصص مثيرة وعالية العبر والدّروس وآيات عجيبة، كقصة أهل الكهف، وقصة موسى عليه السّلام والخضر، وقصة ذي القرنيين، وأحوال يأجوج ومأجوج …

يفتتح الشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي مقصورته بمخاطبة البرق، الذي بخل عليه بعطائه، وأمسك عنه فضله. بينما نال غيرَه، ومال عنه كما مالت الشّمس عن فتية الكهف. تساءل: هل لأنّه في فجوة من عمره، في سعة من حياته، لا يناله ما يروعه لأنّ عناية الله تحرسه، كما كان الفتية في متّسع من الكهف. إذا طلعت الشّمس" نزاور عن كهفهم، تميل عنهم، فلا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم؛ لأنّ الكهف كان جنوبيّا، ولأنّ الله تعالى زوّرها عنه … وهم في فجوة منه، أي وهم في متّسع من الكهف، يعني في وسطه، بحيث ينالهم روح الهواء، ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حرّ الشّمس في ذلك … " (59) وهو بذلك يتشبّه بالفتية الذين ربط الله على قلوبهم وزادهم هدى، ليعبّر عن عناية الله به، ولو صدّ البرق عنه، ولم يعبأ به.

إلى جانب ذلك ضمّن الشّاعر هذه اللّوحة بعض العبارات التي وردت في سورة الكهف؛ رغبة منه في البقاء مرتبطا بهذه السّورة، التي لها مكانة خاصّة في نفوس المسلمين (رغم أنّ القرآن كلّه قدح عسل، لا فرق بين آياته وسوره):

يا برق حيّها بكالثّلج ندى … لعلّها تبرد تسعار الحشا

٢٧ / ٥٤