الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٠واطّباه إلى الحقيقة طيف … زاره في طريقه إذ هاما (66)
إنّ " طوى" الذي رآه المستهام، فانطلق نحو مرماه ليقضي رومه، هو" طوى " الوادي المقدّس الذي نودي فيه موسى عليه السّلام، وقد اختاره الله تبارك وتعالى لتبليغ الرّسالة، وتحمّل الأمانة. فمثلما دعت موسى عليه السّلام نار الطّور، فقصدها عساه يأتي لأهله بخبر أو جذوة من النّار لعلّهم يصطلون، ثمّ نودي ليبلّغ أمر تحمّل مسؤولية الرّسالة … كذلك لبّى المغرم والمستهام الدّعاء الذي جاءه من طوره هو … قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى موسى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الوَادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشّجَرَةِ أَنْ يَا موسى إنّي أَنَا الله رَبُّ العَالَمِينَ﴾ (67)
رغم أنّ الصّورة المستلهمة ليست معبّرة خير تعبير عمّا يقصد الشّاعر الإفصاح عنه - إلاّ أن تكون هذه مقدّمة لتوجيه المستهام إلى أن يهيم فيما هو أحسن وأفضل، وهو بيت الله الحرام – فإنّها تكشف عن الرّغبة في الارتباط بالقرآن، واستيحاء معانيه وآثاره.
بعد أن أرشد الشّاعر أنّ النّار التي يجب أن يستجيب لها هي النّار التي ينبعث منها نور الهداية، النّار التي توصلك أيّها المستهام إلى البقاع المقدّسة، يقول له أقدم ولا تخف، إنّها نار الكليم موسى عليه السّلام، ففيها البركة والخير لك:
هو ذاك النّور الذي غشَى الطّو … ر فأمسى دكّا وأضحى رماما
هي نار الكليم آنسها ليـ … ـلا، فأقبل ولا تخف إقداما (68)
قال أبو سرور وهو يشيد بالطّلبة المتفوّقين، الذين أكرمتهم مدرسة عبد الرّحمن بن عوف بمدينة … " صحم " بسلطنة عمان. وهو يبيّن أنّ هذا التّفوّق ليس بمقدور كلّ أحد، كما أنّه ليس كلّ جبل هو طور سيناء الذي عرف به موسى عليه السّلام:
ما كلّ شادٍ سبَى الألبابَ بلبلُه … كلاّ ولا كلّ طود طور سنينا (69)
يبقى طور سيناء رمز التّجلّي، كما حدث لموسى عليه السّلام، ورمزا لمصدر النّور والخير. فإذا أراد الشّاعر حثّ النّاس على اقتباس النّور، أو السّعي إلى مصدر النّور ليكسب خيرا، أو ينال فضلا، لجأ إلى رمز " طور سيناء " يستلهمه ليسعفه بالمعنى الذي يريد، وينجده لبلوغ هدفه في مخاطبة متلقّيه. قال عبد الله بن عليّ الخليلي:
الله أكبر يا سلالة يعرب … إنّ اللّقا قد حان فادنُ وأقبلا
وخض اللّظى حربا على قهر العدا … فالحرب معركة المصير المجتلى