الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٢قال الشّاعر نفسه وهو يخاطب أهل أرض الكنانة سنة 1960م:
وإلام لا تستجمعون لخصمكم … وَثْبًا، وأنتم أهل كلّ صقيل
أو لستم أهلا لقطع وتينه … رميا بأحجار من السّجّيل
فتضامنوا متكاثفين كأنّكم … سدٌّ لذي القرنين غير مهيل (77)
استلهام القرآن الكريم في بناء الصّور الشّعريّة في الشّعر العماني المحافظ ظاهرة بارزة، ولذلك أسباب، عالجها كثير من الدّارسين. غير أنّ هذا الاستيحاء تفاوت بين النّجاح والإخفاق في بلوغ الغاية من اللّجوء إلى القرآن الكريم للتّعبير والتّصوير. المهمّ إنّ هذا جانب من التّصوير في شعر شعراء الاتّجاه المحافظ، يجب إبرازه وتحليله ونقده.
كان التّراث، والشّعر العربي منه والتّاريخ بخاصّة مجال استلهام الشّعراء. وكان استيحاؤهما لافتا للنّظر، بحيث يتعذّر في هذه العجالة، وفي الحيّز الضّيّق من الدّراسة الإتيان بأمثلة لذلك. نحيل القارئ إلى بعض النّماذج، ليقف بنفسه على هذا الجانب المهمّ في بناء الصّورة عند هؤلاءِ الشّعراء. (78)
من مصادر التّصوير عند هؤلاء الشّعراء الاشتقاق والتّوليد، المعتمد على كلمة يوردها شاعر، فيدور معها ويقلّبها؛ ليخرج منها صورة. لكنّ هذا الأسلوب غير مأمون العاقبة، فكثيرا ما يخفق الشّاعر في تكوين صورة جميلة بديعة، يحسّ المتلقّي لها أثرا في نفسه. مثال على هذا بيتان لعبد الله بن عليّ الخليلي:
وابْكِِ حول الحطيم من حُطم الحُبْـ … ـبِِ إلى أن تراك ثمّ حطاما
حيث لفح الأشواق يبرّده نفـ … ـح من الوصل، فاح عنه اللّقاء (*)
التّكلّف واضح في البيتين، لم يكن وراء هذا التّصوير إلاّ الشّغف بالتّلاعب بالكلمات، وإظهار البراعة في التّفنّن في الكتابة، من دون الارتقاء بذلك إلى مستوى الفنّ.
ملاحظات عامّة
إذا كانت هناك ملاحظات عامّة يمكن تسجيلها بعد هذه الدّراسة المقتضبة المحدودة عن الصّورة الشّعريّة في الاتّجاه المحافظ في الشّعر العماني الحديث، فهي كالآتي:
- تميّز التّصوير في الشّعر الذي أوردنا أمثلة عنه بطول النّفس، وسعة الاستيعاب، وفسحة التّحرّك، وتنوّع مظاهر البروز، وكثرة الدّلالات والإيحاءات. وتنوّع طرق بناء الصّور وصياغتها.