الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٤الموسيقى
إذا اعتنى الفنّان بالموسيقى فلأنّها تترجم عن أفكاره، وتنوب عن عواطفه ومشاعره؛ بما توفّره له من ظلال، وما تهيّئه من الأجواء كي يعبّر، وللمستمع كي يفهم ويعي، إذ أنّها تنقل بصدق الأحاسيس. قالوا: إنّ الموسيقى الحقّة هي التي تساير موضوع القصيدة، أو تتلاءم مع التّجربة الشّعريّة. هذا يؤكّد العلاقة الوطيدة بين الموسيقى والعمليّة الإبداعيّة. يقول سبِنْسر: " إنّ خير الموسيقى ما تتمشّى مع الأفكار، وتتساوق مع المعاني، وتتجاوب ألوان نغماتها ونبراتها مع حالات النّفس. فالشّاعر في اهتياجه وغضبه وغيظه يكون تعبيره الموسيقي عالي النّغمة، وفي حزنه يكون منخفضَها، وفي تعجّبه وفرحه وهدوئه واطمئنانه تكون المسافات الصّوتيّة قصيرةً. وأمّا في بثّه وألمه فتكون مسافات الصّوت طويلةً، وهكذا تساير النّغمات حالات النّفس، كما تساير موضوع القصيد وفكرته. " (80)
إنّ الإبداع في الشّعر والتّأثير في الآخر – باستغلال عنصر الموسيقى – يحصل حين يحسّ الشّاعر بانسياب الموسيقى في شعره وسريانها في تجربته الشّعريّة عن فطرة وسجيّة (81) من هنا كانت الموسيقى أساسا في الفنّ، وعدّت جنديّا من جنود التّعبير الشّعري (82)
نتساءل بعد هذا التّمهيد كيف تعامل الشّعراء العمانيّون ذَوُو الاتّجاه المحافظ مع موسيقى الشّعر؟
إنّ موسيقى الشّعر جرس وإيقاع ووزن. والشّاعر المحافظ اهتمّ بكلّ هذه النّواحي في شعره. إلاَّ أنّه أعطى للإيقاع أهميّة كبرى؛ ربّما لأنّ موسيقاه تتميّز بالحماسة، وهو يقصد إلى شعر يدغدغ به العواطف، ويتوجّه به إلى من يهتزّ ويرقص له، وهو أصلا يؤمن بأنّ الشّعر يجب أن يحمل طابع الخطابيّة، وصفة المنبريّة، وما يحقّق ذلك هو الإيقاع، الذي يوجد موسيقى داخليّة، تبعث على التّجاوب مع مشاعر الفنّان " فالإيقاع يشيع في الصّورة الشّعريّة نوعا من الاتّساق والمساواة فيها، ممّا يتناسب مع الحالة النّفسيّة، وهذا بدوره يكسب الصّورة الأدبيّة حيويّة، تنسجم مع حيويّة الإنسان في تكوينه التّركيبي، الذي يقوم على النّظام والاتّساق الجميل، ويتلاءم مع ما يبغيه في تصرّفاته من الانسجام والتّوافق في كلّ أموره في الحياة … كلّ ذلك في إيقاع رتيب، يصدر عن الإنسان المستقيم في طبعه وذوقه، المعتدل في تفكيره وخلقه، فينجذب بعقله وعاطفته إلى نظائره من الأشياء والمخلوقات، التي تقوم على نظامه