الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٥واتّساقه وغيرهما من الأمور التي ركّبت على مثاله في خلقه وخلقه. ومن هذه الأشياء الصّورة الأدبيّة في إيقاعها وموسيقاها الدّاخليّة والخفيّة." (83)
قد يعمد الشّاعر إلى إيجاد الإيقاع من تكرير صيغة معيّنة، يراها معبّرة عمّا يريده معنى، وتستجيب لعواطفة نغَمًا، من حيث إنّها تولّد موسيقى رتيبة، تطرب النّفس، وتحرّك الجوارح. قال أبو مسلم البهلاني في " النّونيّة " وهو يصف أئمّة الدّين:
صيد سراة أباة الضّيم أسد شرى … شمس العزائم أوّاهون رهبان
سفن النّجاة هداة النّاس قادتهم … طهر السّرائر للإسلام حيطان
صعب الشّكائم في ذات الإله فإن … حنّاهم الحقّ عن مكروهة لانوا (84)
أوجد الشّاعر الإيقاع من كلمات، جاءت على صيغ متشابهة، من دون أن يكون فيها تكلّف، أو تعسّف على العمليّة الإبداعيّة، هذه الكلمات هي: (صيد، أسد، شمس، سفن، طهر، صعب)، (سراة، أباة، هداة)، (العزائم، السّرائر، الشّكائم) زيادة على تكرير حروف معيّنة كـ (السّين والصّاد) وهي من حروف الصّفير، التي لها وقع خاصّ في النّفس. وحرف (الهاء والرّاء) فالهاء تتميّز بالهمس، والرّاء تعرف بالذّلاقة. إنّ ذلك ينسجم مع حروف الصّفير وتتناغم، لتكوّن لوحة موسيقيّة، تعبّر عن الإعجاب بهؤلاء الأئمّة، والتّغنّي بفضائلهم. والهمس والذّلاقة والرّخاوة، تساعد على إيجاد جوّ من الارتياح والاطمئنان، يشعر به من يظهر إعجابه وتقديره لمن يتحدّث عنهم، كما فعل أبو مسلم الرّواحي مع هؤلاء الأئمّة.
يميل أبو مسلم كثيرا إلى انتهاج هذا الأسلوب في الكتابة الشّعريّة، حين يتعلّق الأمر بالتّغنّي بالأمجاد، وذكر محاسن الأجداد، فنجده يلجأ إلى إيجاد موسيقى مطربة، طربه للمكارم، فيحاول رسم لوحة من الإيقاعات، مكوّنة من كلمات متكرّرة في صيغها وهيئتها، كما نجد ذلك في اللّوحة الآتية وهو يسرد مجموعة خلال، تَميّز بها أسلافه، معاتبا الموت، وقد انتقر خيار الأمّة، قال ذلك بمناسبة وفاة الشّيخ نور الدّين السّالمي (ت 1332هـ/ 1914م):
يا صرعة الموت انتقرت خيارنا … وتركت أمّتنا بغير خيار
أسرعت في الأغواث والأقطاب … والأعلام والأبطال والأخيار
مهلا فما أبقيت ثمّ بقيّة … نزح القطين وجفّ روض الدّار
أفقدتني شهب الفضائل كلّهم … ويلاه من شهبي ومن أقماري
ويلاه أين سماؤها ونجومها … وشموسها، ذهبوا كأمس الجاري