الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٦

أنضاهم التّسبيح والتّرتيل … والتّهجيد بين جوانح الأسحار

خُبْتٌ إذا جنّ الظّلام رأيتهم … طاروا إلى الملكوت بالأسرار

غُرّ إذا سجد الظّلام على الفضا … سجدوا على الثَّفَنَات كالأحجار

قطع النّحيب صدورهم وكأنّما … وضعوا السّحائب موضع الأشفار (85)

بنى الشّاعر صِيَغَهُ على أوزان معيّنة، وكأنّه عمد إلى المجموعات في التّركيب؛ ليحدث موسيقى من الإيقاع الرّتيب. فهناك صيغة (أفعال) (الأغواث، الأقطاب، الأعلام، الأبدال، الأخيار، الأسحار، الأسرار، الأحجار، أقمار … ) وهذه الصّيغة تكرّرت في معظم أبيات القصيدة. وضيغتا (تفعيل وفعول) (التّسبيح، التّهجيد، التّرتيل، نجوم، شموس … ) وصيغة (فُعْل) (خبت، غرّ شهب … )

يلاحظ التّشابه بين اللّوحتين السّابقتين في ذكر صفات الممدوحين. ممّا يدلّ على رغبة الشّاعر في إحداث الإيقاع في أبياته، أو على الأقلّ استجابته لفورة مشاعره، التي ترغب أن تَخْرُجَ في ثوب قشيب من التّلوين الموسيقى. ممّا يدلّ على ذلك، إطلاقه العنان لقريحته كي تردف الصّيغ المتشابهة في سلسلة طويلة، كما في البيت الثّاني. عَمْدُ الشّاعر إلى هذا الأسلوب يكشف عن الحالة الشعوريّة المتوتّرة عنده، وهو يلاحظ الموت ينتقي الأخيار والأقطاب والأعلام …

وهو حين وجد هذه الصّيغة مستجيبة لعواطفه، أردف كلمات أخرى على منوالها متساوقة، وأحيانا غير ذلك، وقد التزم بذلك في كامل القصيدة. والإيقاع يصنع ذلك في الصّورة الشّعريّة، لأنّ له علاقة بالتّوتّر الشّعوري. وفي هذا تبدو براعة الشّاعر: " والإيقاع مظهر عبقريّة الشّاعر، ومجال التّفوّق على الغير، واستقلال الشّخصيّة بالعمل الأدبي، فمن الممكن أن يتصرّف الشّاعر في الإيقاع، حيث يختار للصّورة الوَقْفَ المناسب لها، سواء كان سكونا أو حرف لين، حسب الغرض من الصّورة … " (86)

في قصيدة مدح بها ابن شيخان السّالمي السّلطان فيصل بن تركي (ت 1332هـ/ 1913م) ركّز فيها كثيرا على صيغ (مَفْعَل، الأَفْعَل، مُسْتَفْعِل، مُفَعَّل، مُفْتَعِل، فَعْلَة … ) أحدث من خلالها موسيقى ذات إيقاع رتيب، دفعته إليه رغبة في المبالغة في وصف الممدوح، واستجابة لدافع إيجاد موسيقى داخليّة، تساعد على ترجمة ما يعتمل بداخله، وتشدّ المتلقّي إليه:

سلطاننا (فيصل) من صيتُه … قد سار في الشّرق والمغرب

ملك عظيم الحلم ذو هيبة … يغدو لها الرّئبال كالثّعلب

متّسع المجلس ذو حضرة … تبدي شذا الأفضل والهنجب

مشيّد المجد، له رفعة … حكت سما (كيوان) بالمنكب

٣٦ / ٥٤