الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٧بحر العطا والفضل، ذو منّة … تأتي على الأبعد والأقرب
مسدّد السّعي مليء الثّنا … مستحسن الطّلعة والمذهب
يهتزّ مرتاحا لفيض النّدى … مثل اهتزاز الصّارم الأقصب
تقول كفّاه لراجي الغنى: … كم لك من أهل ومن مرحب
مستبحر الفكرة غوّاصها … مستخرج الحكمة لم تثقب
مستيقظ حامي حياض الحمى … مقتحم الأهوال والأصعب (87)
قد يحدث الشّاعر الإيقاع في شعره؛ بإيجاد توازن وتوازٍ وتساوٍ بين فقرات تراكيبه التي يصوغها. وهو ما يساعد على توفير تقابل بينها، مِمَّا يوفّر صفةَ التّماسك في نسيج الكتابة. قال ابن شيخان:
العدل باقٍ والعزائم تصعد … والبغي فانٍ والصّوارم تشهد (88)
زيادة على التّرصيع الذي أسهم في إحداث الإيقاع، نلاحظ هذا التّوازي بين كلمات الشّطرين: العدل والبغي، باق وفان، العزائم والصّوارم، تشهد وتصعد.
في البيت الآتي نجد التّركيبة نفسها، والصّياغة ذاتها، قال الشّاعر نفسه:
فأسبل بحرا دونه كلّ زاخر … وأقبل بدرا دونه كلّ طالع (89)
فالكلمات: (أسبل وأقبل، بحرا وبدرا، دونه وكلّ في الشّطرين، زاخر وطالع.) أوجدت هذا الإيقاع. كما أسهمت في توفيره حروف مكرّرة في الكلمتين المتقابلتين: (الهمزة واللاّم) في الكلمتين (أقبل وأسبل) ، (الباء والرّاء) في الكلمتين (بحرا وبدرا)
الملاحظة نفسها تنطبق على البيت الآتي، وقد تعوّد ابن شيخان على هذه الصّياغة:
فهو الغيث الغمام المرتجى … وهو اللّيث الحسام المنتضى (90)
تَعَاوَنَ التّقابلُ بين حالين، يكون عليهما السّلطان تيمور بن فيصل (ت 1383هـ/ 1963م): حالِ الإحسان في السّلم، وحالِ البطش والقوّة في الحرب، والتّوازي بين كلمات شطري البيتين، وتكرارُ حروف معيّنة في بعض صيغها، تعاونَ كلُّ ذلك على إيجاد إيقاع مطرب راقص، معبّر عمّا يجيش في حنايا الشّاعر نحو الممدوح. وما تلا هذه الأبيات كان على هذا المنوال من التّوازن والتّساوي في الكلمات، والتّوازي في الصّيغ وفي النّهايات، نهايات الأشطر:
صاحب الشّكر إذا عمّ الرّجا … صاحب الصّبر إذا حُمّ القضا
جامع الصّبر إذا احتفّ الملا … واسع الصّدر إذا ضاق الفضا
صاحب الخيل إذا اشتدّ المدى … ساكب الخير إذا الخير انقضى