الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٨كذلك يعمل التّقابل بين الأحوال التي يكون عليها المتحدّث عنهم، وتكرير حروف معيّنة، لها علاقة بمشاعر الشّاعر … يعمل هذا على إحداث إيقاع جميل، هادف إلى الإفصاح عن المكنون، كما في قول أبي مسلم الرّواحي:
صعب شكائمهم، سحب مكارمهم … إن حاربوا صعبوا، أو أكرموا لانوا
شمّ إذا حزموا، نار إذا عزموا … شهب إذا رجموا، للفضل هتّان
لله ما جمعوا، لله ما تركوا … لله إن قربوا، لله إن بانوا (91)
يلاحظ في أبيات ابن شيخان وأبي مسلم، بعض التّشابه في الصّفات التي خلعاها على الممدوحين، في أثناء العمد إلى المقابلة بين أحوالهم. والتّشابه برز أيضا في تكرير حروف معيّنة، كحروف الشّين والصّاد والرّاء …
قال أبو سرور عن أمجاد عمان، في قصيد عنوانه " عمان المفاخر":
فقرّت بهم عينا، وطالت بهم يدا … وتاهت بهم فخرا، وزانت بهم ذكرا (92)
إنّ حسن التّقسيم أوجد موسيقى رتيبة داخل البيت، كانت ناتجة عن الإيقاع الجميل المطرب المعبّر. (قرّت عينا، طالت يدا، تاهت فخرا، زانت ذكرا)
قال ابن شيخان، وقد سباه التّفنّن في التّصوير، فاختار حسن التّقسيم، أو التّرصيع، كما يعبّر عنه القدماء شكلا لتركيبة نظمه:
وما غصنها إلاّ التوى، وما بدرها … إلاّ انزوى، وما طيرها إلاّ انهوى (93)
يلاحظ في البيت التّقسيمُ، الذي انبنَى على التّساوي في عدد الفقرات في الشّطرين، وعلى التّوازي بين هذه الفقرات في عدد الكلمات وصيغها، وعلى السّجع داخل البيت، ممّا ولّد نغَما موسيقيّا، هو الإيقاع الذي أضفى على الصّورة جمالا وروعة وجلالا.
اللّوحة الآتيّة غنيّة بالمصادر، التي ولّدت الإيقاع الجميل، فساعد على التّصوير، وعلى شدّ المتلقّي إليه، والتّأثير فيه شعوريّا. فيها حسن التّقسيم، فيها التّوازي بين فقرات النّصّ، وفي عدد الكلمات في كلّ فقرة، وفي الصّيغ التي حكمت هذا النّسيج في التّصوير، وفي تكرير حروف معيّنة، وفي التّقابل بين المعاني، بما يعرف بالثّنائيّة في الكتابة. نترك للقارئ فرصة الكشف عن المتعة والجمال - في هذه اللّوحة - النّاتجين من هذا الإيقاع. قال ابن شيخان في حقّ السّلطان فيصل بن تركي:
هو الهمام ابن تركي، من له خضعت … شوامخ الدّهر وانقادت لخدمتهِ
الدّافع الخطب في إزعاج طارقه … والفارج الكرب في إدلاج شدّتهِ