الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٦والصّور النّاجحة في هذا هي التي لا تلتزم النّسق اللّغوي الذي تحمله مفرداتها، ولا التّركيب الوصفي لها. " (10)
إذا كانت هذه بعض خصائص الصّورة الشّعريّة، وهذه طبيعتها. فكيف كان التّصوير في الشّعر العماني الحديث؟ وما هي طبيعة الصّور فيه؟ وما هي أنواع هذه الصّور؟ وكيف بنى الشّاعر العماني صوره؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه بشيء من الإيجاز والتّركيز؛ بانتقاء نماذج واختيار أمثلة، تقرّب الصّورة في ذهن القارئ، من دون التّتبع الدّقيق للتّصوير في هذا الشّعر؛ بسبب قصر حجم الدّراسة، التي هي عبارة عن محاضرة، وليست بحثا موسّعا، يتيح الفرصة للاستقصاء والاستقراء، ويفسح المجال للدّراسة المعمّقة.
سنقتصر على مجموعة محدودة من الآثار لشعراء معدودين، يمثّلون الاتّجاه المحافظ في الشّعر العماني الحديث. والبداية تكون مع نماذج من القصائد التي زخرت بالصّور، التي جاءت متتالية متتابعة متساوقة، ثمّ نتناول أمثلة أخرى لصور منفردة.
من مقدّمة قصيدة نونيّة أبي مسلم البهلاني الرّواحي المعروفة عند العمانيّين بـ (الفتح والرّضوان) نأخذ هذه الأبيات:
تلك البوارق حاديهنّ مرنان … فما لطرفك يا ذا الشّجو وسنان
شجت صوارمها الأرجاء واهتزعت … تزجي خميسا له في الجوّ ميدان
تبجّست بهزيم الودق منبعِقا … حتّى تساوت به أكم وقيعان
سقى الشّواجن من رضوى وغصّ به … سرّ وجوف، وغصّت منه جرنان
وجلّل السّهل والأوعار معتمدا … ربوع ما ضمّ عندام وجعلان
وَرَاثَ ينضَح للجرداء ساحتها … وطمّ ما ردّ صَفْنان وصَخْنَان
يُريقُ في الجوّ منه رَيِّقٌ هَطِل … في لوْحِهِِ من سناء البرق ألوان
إن هيّج البرق ذا شجو فقد سهرت … عيني وشبّت لشجو النّفس نيران
وصيّر البرق جفني من سحائبه … يا برق حسبُك ما في الأرض ظمآن
إنّي أَشَُحّ بدمعي أن يَسُحّ على … أرض، وما هي لي يا برق أوطان
هبك استطرت فؤادي فاستطر رمقي … إلى معاهدَ لي فيهنّ أشجان
تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت … وهنّ وسط ضميري الآن سكّان (11)
انتخاب الشّيخ سالم بن راشد الخروصي إماما للمسلمين أثار في نفس أبي مسلم الرّواحي مكامن الحنين إلى وطنه عمان، الذي فارقة غصبا عنه وقهرا، وغادر معاهده كرها وجبرا، كما عبّر عن ذلك