الصورة والموسيقى في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٧بقوله: نزحت عنها بحكم لا أغالبه … لا يغلب القدر المحتوم إنسان (12) … لقد كان دائم التّطلّع للرّجوع إلى بلده؛ ليسهم في خدمته، ويعمل على الرّقيّ به إلى مدارج الكمال، أو على الأقلّ الخروج به من دائرة التّخلّف إلى ميدان التّقدّم، ومن نفق الظّلام إلى نقطة الضّوء. فلمّا تغيّرت الظّروف بتولّي الإمام سالم بن راشد أمور المسلمين، تحرّكت في قلبه هذه المشاعر، ودارت في ذهنه هذه الخواطر، فكانت منه هذه الصّور المتتالية المتساوقة، التي يشدّ بعضها برقاب بعض، وجاءت لتقدّم هذه اللّوحة البديعة.
كان البرق الذي بدا في ألوان مختلفة، وأشكال متعدّدة المحور الذي دارت حوله صور الشّاعر؛ فقد أثار الأشجان، وحرّك العواطف، وساق معه أمطارا مدرارة، غطّت السّهول والأودية والتّلول والأغوار والنّجاد والوهاد. فكانت خيرا وبركة على البلاد والعباد، وسبب الهياج والذّكرى والإثارة للشّاعر. كانت نعمة وفضلا على عمان، وأصبحت له هو مثار حسرة وألم، لأنّه لم يتمكّن من الإفادة منها في التّمتّع بما أتت به لبعده عن وطنه. فتحوّلت هذه الأمطار – بالنّسبة له - من سحائب في السّماء تنزل لتحي الأرض وتنعش النّفوس، وتبعث الأمل في القلوب، وتنشر السّعادة والطّمأنينة والسّكينة بين بني وطنه، إلى سحائب في جفنه ترسل الدّمع مدرارا، وتزرع في قلبه الحزن والأسى، وتثير فيه المكامن والمواجد؛ حتّى أنّه تأسّف على إرسال هذه الدّموع على أرض لا يرى أنّها أهل لذلك، مخاطبا البرق الذي كان السّبب في كلّ هذه الأحوال، وفي الوقت نفسه يلومه، ويعتذر له على عدم الجود بدمعه على أرض لا يراها وطنه:
إنّي أشحّ بدمعي أن يسحّ على … أرض وما هي لي يا برق أوطان
قال في موضع آخر يجسّد هذا المعنى، ممّا يدلّ على تأثّره بما يتركه البرق في قلبه:
أشعل البرق علينا جذوة … فانطفا واتّقدت فينا الشّعل (13)
بل هو يذهب بعيدا حين يحرج البرق، ويناشده الانتقال من مجال استطارة القلب، بالحنين والشّوق والوجد، إلى استطارة الرّمق وبلّ الغلّة، وإطفاء اللّهيب، بطلب الانتقال به إلى وطنه:
هَبْك استطرت فؤادي فاستطر رمقي … إلى معاهد لي فيهنّ أشجان
هذه اللّوحة التي رسمها الشّاعر أبو مسلم البهلاني، عمد فيها إلى تعديد الصّور، وإرسالها مترادفة متتابعة، ولجأ فيها إلى التّركيز على البرق، وقدّم عنه صورا متنوّعة لحركته وتأثيراته في النّفس ودلالاته المعنوية المختلفة، ومغازيه المتعدّدة …