المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي - نسخة للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١١لكن الذي يلحظ وجود نوع من الاختصار والانتقاء في كتاب الضياء، لذا يظل الشك قائما في استمداد العوتبي مادته من كتاب الرسالة مباشرة، أم من كتاب أصولي آخر ناقلٍ عن الشافعي، وعلى كلا الاحتمالين فإن النص الأصلي عائد إلى كتاب الرسالة سواء أخذ عنه العوتبي مباشرة أو بالواسطة، والله أعلم.
5 - الفقيه والمتفقه للخطيب للبغدادي(1): أحد علماء الشافعية الذين انتشرت كتبهم في الآفاق، وكان بعضها مصدرا للعوتبي في موسوعته. وقد أثبت المحقِّقان أخذه من إحدى كتب الخطيب وهو كتاب "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" في عدة مواضع(2)، وهذا مما يقوي احتمال استفادته من كتب أخرى له مثل "الفقيه والمتفقه".
ففي الباب الذي خصه لآداب السؤال والفتيا من الجزء الأول، يلاحظ الشبه الكبير بين بعض النصوص وبين ما جاء في كتاب الفقيه والمتفقه، من ذلك مثلا: قوله: «ولا يسوغ للمفتي أن يأخذ الأجرة ممن يفتيه .. »(3)، وقوله: «ومن أدب المستفتي أن لا يقول عند جواب المفتي: وهكذا قلت أنا .. »(4)، وقوله: «ومنع بعض قومنا أن يطالب السائل الحجة فيما أجيب به، وأن يقول به: لم وكيف»(5)، ولعله يشير إلى قول الخطيب: «وليس ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أجابه به، ولا يقول لم ولا كيف»(6).
مما سبق تبين أن العوتبي قد استفاد في تأليفه الأصولي من عدة مصادر، يأتي في طليعتها كتاب الجامع لابن بركة، ويتلوه كتاب التقييد له أيضا، ثم كتاب الأكلة للمنحي.
ونجد حضور المؤلفات الأصولية للشافعية، مما يفيد تنوع مصادره في التصنيف، واستفادته من المدارس الإسلامية الأخرى، وهذا ما يؤكد خاصية الانفتاح في المدرسة الإباضية، وعدم انغلاقها على تراث أعلامها.
المبحث الثالث: منهج العوتبي في التأليف:
نحاول في هذا المبحث دراسة منهج العوتبي في تأليف المباحث الأصولية في الموسوعة، وذلك بالنظر في جانبين: يتعلق الأول بطريقته في بناء المادة العلمية من حيث الترتيب والصياغة. وأما الجانب الآخر فيتصل بمنهج البحث الأصولي ومدى قربه من المدارس الأصولية المشهورة في التأليف، وسنفرد لكل جانب مطلبا.
(1) أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب (392 - 463 هـ): حافظ محدث وفقيه، رحل في طلب العلم إلى عدة بلدان، واستقر مقامه ببغداد. له شغف بالمطالعة والتنصيف، وترك ما يجاوز ستين مؤلَّفا أغلبها في علم الحديث، ومن أشهرها تاريخ بغداد. (ينظر: السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 4/ 29).
(2) ينظر: الضياء، مقدمة التحقيق،1/ 83.
(3) الضياء، 1/ 442. ويقابله في الفقيه والمتفقه: 2/ 347.
(4) الضياء، 1/ 445. ويقابله في الفقيه والمتفقه: 2/ 381.
(5) الضياء، 1/ 446.
(6) الفقيه والمتفقه: 2/ 382.