المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي - نسخة للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٤هذا وتتجلى هذه السمة لدى العوتبي في أمرين:
1 - تقرير القواعد الأصولية والاقتصاد في ذكر الأدلة والحجج(1).
2 - الاقتصار عند ذكر خلاف أصولي على إيراد الأقوال دون أدلتها، مع استعمال أسلوب الإبهام وعدم التصريح بأسماء المذاهب أو العلماء إلا نادرا(2).
ويمكن التمثيل بهذا النص الذي ذكر فيه خلاف العلماء في الأدلة غير النصية حيث قال: «تنازع الناس في الدليل الذي هو غير النص؛ فقال بعضهم: الدليل الذي هو غير النص: القياس أو إجماع أهل الأعصار. وقال بعضهم: القياس والاستحسان. وقال بعضهم: القياس وعمل أهل المدينة. وقال بعضهم -وهم أصحاب الظاهر- الدليل هو موجب النص وإن لم يكن مذكورا، أو مجموع النص»(3). ويلاحظ تفرُّد القول الأخير بذكر صاحبه وهم الظاهرية، إذ عادة ما يصرِّح بمذهبهم وأسماء أعلامهم عند إيراد خلاف أصولي(4).
إلا أن ما يشذُّ عن نسق الاختزال والإيجاز هو مباحث الاجتهاد والإفتاء والتقليد، والتي أوردها في الجزء الأول من موسوعته؛ حيث استوفى فيها مسائله، وبيَّن أحكامه للمكلف، سواء أكان عالما مفتيا أم مقلدا سائلا، ولم يخل من المسائل التي هي ألصق بآداب المفتي والمستفتي منها بعلم الأصول، مما يدل على مركزية هذا الموضوع وأهميته لدى العوتبي، مع العلم أنه أوردها في كتاب العلم وليس في كتاب الأصول كما سبقت الإشارة إليه.
- الاهتمام بتعريف المصطلحات الأصولية، فقد تم إحصاء ما يربو على 35 مصطلحًا معرَّفًا، ويعدُّ بهذا موردًا خصبًا في مجال المصطلحات الإباضية الخاصة بعلم الأصول.
- العناية بالشرح اللغوي للحدود وغريب الألفاظ، مع الاستشهاد بالشعر العربي وبكلام أهل اللغة(5)، وهذه سمة نلفاها حاضرة في كافة أبواب الموسوعة، فالعوتبي إمام من أئمة اللغة، ولا شك أن هذه النزعة ستلقي بظلالها في مؤلفاته، وقد صرَّح بهذا الشأن في مقدمة موسوعته حيث قال: «وقد فسَّرت جميع ما ذكرت في هذا الكتاب من لفظ غريب ومعنى عجيب، ليكون مستغنيا بتفسيره عن الرجوع فيه إلى غيره»(6)، وهذا ما يفسِّر استطراده في شرح معاني بعض الألفاظ إثر النصوص التي يوردها ويستشهد بها(7).
المطلب الثاني: منهج البحث الأصولي:
نهدف في هذا المطلب إلى الجواب عن سؤال الانتماء المدرسي للتأليف الأصولي عند العوتبي، وقد اشتهر في هذا
(1) ينظر مثلا: الضياء، 2/ 381 - 383. 3/ 11 - 12، 21
(2) ينظر مثلا: الضياء، 1/ 493، 494. 2/ 387، 402. 3/ 28 - 29، 30، 40، 41.
(3) الضياء، 3/ 27.
(4) من ذلك نسبة القول بنفي المجاز إلى محمد بن داود الأصفهاني (الضياء، 1/ 497). ونفي القياس إلى أبيه داود (3/ 40، 43).
(5) ينظر مثلا: تعريف: الحجة (1/ 492)، الوحي (1/ 495)، الإجماع (1/ 498)، الحق (3/ 12)، الباطل (3/ 13).
(6) الضياء، 1/ 199.
(7) ينظر: الضياء، 2/ 353، 396، 397. 3/ 13 - 14.