المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي - نسخة للشاملة
الجزء ١ · صفحة ١٥الإطار طريقتان في التأليف إلى نهاية القرن السادس، هما: مدرسة المتكلمين ويسمون بالجمهور، ومدرسة الفقهاء وأصحابها الحنفية. ثم برزت طرق أخرى في القرون اللاحقة.
أما في مسار التأليف الأصولي لدى الإباضية إلى ما قبل عصر العوتبي، فأهمُّ عمل برز في هذه الفترة تلك المقدمة الأصولية التي وضعها ابن بركة على كتابه "الجامع"؛ حيث سلك فيها منهج المتكلمين في تحرير المسائل وتقرير القواعد، والاستدلال لها بالأدلة النقلية والعقلية، وبقواعد اللغة، مع العلم أنه لم تخل مباحثه من الربط بين الأصول والفروع، مركزا على أهم القواعد الأصولية التي لها أثر في الخلاف الفقهي، ثم تأتي من بعده موسوعة الضياء لتستوعب مسائل كتاب "الجامع"، مع إضافات من غيره.
وإذا كان التأليف الأصولي في "الضياء" على نمط المقدمات الأصولية على الكتب الفقهية، وكان أغلبها على نهج مدرسة المتكلمين(1)، فإننا نفترض قيام منهج البحث في مقدمة العوتبي على طريقة المتكلمين، مع عدم خلوِّها من الفروع الفقهية المخرَّجة على تلك الأصول.
ومن أجل اختبار هذه الفرضية، حاولنا تحليل المادة الأصولية في الكتاب، واكتشاف معالم منهج البحث الأصولي فيها، والتي يمكن إجمالها في العناصر الآتية:
أولا: الاستدلال للمسائل الأصولية بنصوص الكتاب والسنة:
ويمكن التمثيل لهذا ببعض المسائل: من ذلك قوله عن التقليد المذموم: «قد ذم الله تعالى التقليد في غير موضع من الكتاب، وجاءت السُّنة بذمِّه أيضا»(2).
وعن وجوب تقليد العامِّي للعالم في الفروع العملية قال: «وكذلك المحتكم إلى الفقيه عليه أن يقلده فيما يحكم عليه فيما لا يعلم الحكم فيه، قال الله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾ [النحل:43]»، ثم ذكر وجه الاستدلال بالآية(3).
وفي باب الأدلة، استدل لحجِّية كلٍّ من: الكتاب والسنة والإجماع ونظر العقل، بجملة نصوصٍ من القرآن الكريم ومن السنة النبوية(4). ويمكن إيراد هذا النص الذي يلخِّص فيه العوتبي حجية الأدلة الثلاثة الأولى مع إرجاعها إلى أصل واحد، حيث يقول: «وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد وهو كتاب رب العالمين … ، والسنة علمت بكتاب الله، وبه وجب اتِّباعها. والإجماع أيضاً عُلم بكتاب الله وبالسنة التي هي من كتاب الله؛ لأن الإجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلاّ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -»(5).
ثانيا: الاستدلال بعمل الصحابة وبالإجماع:
(1) ينظر: أحمد الرشيد، المقدمات الأصولية، ص 68.
(2) الضياء، 1/ 508.
(3) الضياء، 1/ 506.
(4) الضياء، 3/ 11 - 12
(5) الضياء، 3/ 14 - 15.