المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي: دراسة وصفية جابر بن سليمان بن عيسى فخار

المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي - نسخة للشاملة

الجزء ١ · صفحة ١٦

من الأدلة التي يستند إليها الأصوليون في الاحتجاج للقواعد الأصولية، عمل الصحابة بهذه القواعد في فتاويهم وأقضيتهم، ولعل موضوع القياس أوضح أصلٍ اعتمدوا فيه على هذا النوع من الأدلة(1)، وفي هذا يقول العوتبي: «الحجة لمن قال بالقياس فعل الصحابة له وإجازتهم القول بالرأي لبعضهم بعضا من طريق الاجتهاد والقياس»(2)، ويقول في موضع لاحق: «فلما أجازت الصحابة ذلك لبعضهم بعضا كان فعلهم حجةً على من خالف ذلك»(3).

ولما كان القياس نوعا من الاجتهاد بالرأي فقد ثبت جوازه بالإجماع، وفي هذا يقول: «الفتيا بالرأي من السُّنة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يجمع الله أمتي على ضلال» وقد أجمعوا على القول بالرأي»(4).

ثالثا: الاستدلال باللغة وبقواعد العقل:

لما كان باب دلالات الألفاظ يرجع إلى مباحث اللغة، فقد عول في تقرير القواعد فيه على لغة العرب، مثال ذلك ما نجده في مسائل الأمر والنهي؛ حيث استدل لدلالة الأمر على الوجوب من جهة اللغة بقوله: «والله تعالى خاطبنا بما تعقل العرب في خطابها، والعرب تسمي "افعل" [ولا تفعل](5) أمرًا ونهيًا، فإذا أمر من تجب طاعته والانقياد لأمره كان على المأمور إتيان ما أُمر»(6)، وبمثل هذا النص استدل به على دلالة الأمر على الفور إذا لم يحدَّد بزمن، واستشهد ببيتٍ شعريٍّ للشاعر الجاهلي ضمرة بن ضمرة(7).

وفي مباحث الدلالات أيضا نقف على أوجهٍ من الاستدلالات العقلية على مسائل أصولية، كمسألة دلالة الأمر على الفور أو التراخي(8)، ومسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة(9)، ومسألة الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه(10).

رابعا: قلة التصريح بأصول المذهب:

مما يلاحظ في منهج المؤلف ندرة تصريحه بأصول المذهب الإباضي أثناء عرضه لمسائل الأصول، وكذا بيان آراء علمائه في المسائل الخلافية، ولعل هذا مما يميِّز طريقة المتكلمين في بحث الأصول، والتي تتَّسم بالتجريد وتحقيق المسائل بصرف النظر عن آراء المذاهب الفقهية، حيث تكون الأصول حاكمة على الفروع لا العكس(11).

(1) عن الاستدلال لحجية القياس بعمل الصحابة ينظر: الجويني، البرهان، 2/ 13. الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 4/ 40.

(2) الضياء، 3/ 46.

(3) نفسه.

(4) 1/ 464.

(5) سقطت من نص الضياء، وأثبتها من كتاب الجامع لابن بركة، فأصل العبارة منه. (الجامع، 1/ 176).

(6) الضياء، 2/ 386.

(7) وهو قوله لما حبسه النعمان بن المنذر ثم أمر بإطلاقه فأخروا ذلك:

فلو كنت ذا أمر مطاع لما بدا … توانٍ مع الإمكان في حال أمركا (الضياء، 2/ 393).

(8) الضياء، 2/ 387.

(9) الضياء، 2/ 388.

(10) الضياء، 2/ 397.

(11) وفي هذا يقول الجويني: « .. فحق الأصولي ألا يلتفت إلى مذاهب أصحاب الفروع ولا يلتزم مذهبا مخصوصا في المسائل المظنونة الشرعية». (البرهان، 2/ 35). ينظر: عبد الوهاب أبو سليمان، الفكر الأصولي، ص 447.