كتاب التحف المخزونة سليمان بن يخلف المزاتي أبو الربيع

Alsaidia_125_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٨٠

180

قسم الدراسة

ب ـ الأدلة العقلية: إن جميع ما احتجوا به من براهين عقليّة في هذه المسألة يدور حول نقطة واحدة وهي بيان ما يترتب على عدم التكليف بالتبليغ من كتمان للعلم والحال أن الله قد أمر جميع الناس بتبليغ شرعه ونهى الذين يكتمون ما أنزل من الآيات فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَأَهْدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَبِ أُولَتَبكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَهُمُ اللَّعِنُونَ﴾ [البقرة: 159)

وإذا كنا مأمورين بذلك فمن باب أولى أن يكون النبي مكلفا بالتبليغ.

ويردّ على هذا الاستدلال بأنَّ مقصد الجمهور هو خلاف ذلك إن المنفي عن النبي لا مجرد التبليغ وإنّما التكليف بتبليغ رسالة جديدة وإلا فإنّ النبي مأمور باتفاق الأمة بالدعوة إلى العمل بشرع الله الذي سبق أن أرسل به من

تقدمه من الرسل. أما أدلّة الجمهور على الاختلاف بين النّبي والرسول في المدلول فإن أظهرها قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِي … الآية [الحج: 52] فعطف النبي على الرسول في الآية دليل على المغايرة بينهما وإلا

لكان تكرارا غير مفيد وقد نزّه القرآن عن مثل ذلك لإعجازه البلاغي (3).

ولقد ناقش أصحاب الفريق الثاني هذا الدليل فأثبتوا أنَّه لا حجّة فيه على التفريق بين النبي والرسول إذ مجرّد الفصل لا يدلّ على اختلاف الجنسين بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء وفصل بين النخل والرمان

فقد فصل الله وهما من الفاكهة (3).

(3).

(1) انظر داود حمدان أبحاث: 28 - 30.

(2) انظر الألوسي: روح المعاني: مج 6، 172/ 17، الرازي: التفس الكبير 49/ 23، الزمخشري:

الكشاف 19/ 18/3

(3) انظر: بدوي: مذاهب الإسلاميين نقلا عن القاضي عبد الجبار شرح الأصول الخمسة: 168).