كتاب التحف المخزونة سليمان بن يخلف المزاتي أبو الربيع

Alsaidia_125_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٨٧

كتاب التحف المخزونة

287

يعيش مع أناس يستنكفون في كل لحظة عن مكالمته بل وحتى مجرد الالتفات إليه ويجمعون على إظهار العداوة له ما دام مصرا على معصيته. وبما أن الإنسان بأحاسيسه فإنّه لا يطيق الصبر على حياة نكدة وشقية فيها هجران عملي لكافة النّاس له ولذلك يلجأ أكثر المتبرإ منهم في أيام قليلة إلى المسارعة بإعلان التوبة أمام الجميع.

لقد ساعد تطبيق البراءة على حماية الجماعة الإباضية من الهبوط الأخلاقي وانتشار المنكرات والتجاهر بها حتى خلال فترة الكتمان التي يغيب فيها الحكم فيقوم نظام البراءة مقامه في الزجر والردع. وبفضل هذا المبدإ لم يشتك الإباضية ظاهرة الانحراف والتمرّد على القيم الاجتماعية ومن يزور وادي مزاب اليوم لا يرى شيئًا من المنكرات التي تؤتى بصفة علنية إلا ممن كان دخيلا على أهل البلد (3). وهذا لا يعني انقراض العصاة من المجتمع الإباضي وإنّما مرادنا هو أن البراءة وإن لم تستطع القضاء على المعصية فإنّها قدرت على تطهير المجتمع من العصاة المجاهرين والمتحدين للقيم والمشاعر (3).

(1) انظر الدرجيني: طبقات المشائخ 5/ 1. وهناك طريقة متبعة اليوم في وادي مزاب لإرجاع المتبرا منه إلى الولاية عند رغبته في التوبة.

إذ يأمر رئيس العزّابة بعقد اجتماع عام شبيه الاجتماع السابق وذلك بالمسجد ثم يجيء التائب قائلا: تبت إلى الله وإلى جميع المسلمين ويكررها مرارا حتى يسمعه جميع الحاضرين ثم يلقي رئيس العزّابة خطبة حماسيّة يستعرض فيها عادة معاني التوبة وقيمة المحافظة على الأحكام الشرعية والعلاقات الاجتماعية وخطورة مناقضتها في الدنيا والآخرة وأخيرًا يدعو النّاس إلى ولاية هذا التائب من جديد واعتباره فردا من أفراد المجتمع تجب محبّته ومودته والإحسان إليه وحينئذ تزول. جميع أشكال الهجران.

(2) أي من السيّاح أو من غير الإباضية الذين لا يقدرون على تطبيق البراءة عليهم. (3) من المحتمل وجود بعض العصاة المتسترين غير أن ذلك أهون وأخف لما فيه من محدودية انتشار المنكر في المجتمع.