Alsaidia_125_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٠٧كتاب التحف المخزونة
407
إلا بأحسن أفعالهم ولم ينههم إلا عن سوء أعمالهم. وفي الأمر والنهي ما يبطل الجبل والجبر. ولو جاز أن يأمرهم وينهاهم عمّا جبلهم وأجبرهم عليه لجاز أن ينهاهم عن قصرهم وطولهم وتحسين صورتهم وتقبيحها ولجاز أن يمدحهم على ذلك ويذمهم ولجاز أن يقال للأبيض: لِمَ كنت أبيض /37/ وللأسود لم كنت أسود. وليس من صفة الحكيم أن يأمر العباد وينهاهم ويعاقبهم فيثيبهم
(1)
ويمدحهم ويذمهم على غير ما فعلوه واكتسبوه واختاروه لأنفسهم. وفي بطلان هذا ما يبطل الجبل والجبر على العباد على ما أمرهم ونهاهم. فكيف يكون عدلا ليس بجائر من يعذب العباد على غير ما عملوا؟ وما معنى القواب والجزاء على غير ما عملوا؟ وهل يكون الجزاء إلا على الأعمال؟
والأمر والنهي يبطلان الجبل والجبر ويثبتان الاكتساب والاختيار. وما معنى الظلم الذي نفاه الله عن نفسه إذا كان يؤاخذ عباده بغير ما اكتسبوه ويعذبهم على غير ما عملوا؟ وفي نفي الظلم والجور عن الله ما يثبت الجزاء لكل مجازي إلّا على ما عمل. وفي بطلان العمل على الحقيقة ما يبطل الجزاء على الحقيقة. وقد عذر الله عباده فيما لم يمكنه فعله بالزمانات والأمراض. وعذرهم أيضا في جميع ما لا يمكنهم بخلقتهم. وقد وجدنا الله قال في كتابه: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا على الأعرج حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَحُ) [الفتح: 17]. وقد عذر هؤلاء كلهم إذ لم يمكنهم ما أمكن غيرهم للزمانات والآفات والحوائل التي أتت من قبل الله لا من قبل أنفسهم وقد قال الله: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: 32) وقال: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17] وجَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
[التوبة: 95]. وهذا مما يدلّ على أنّ للإنسان (2) فعلاً باكتساب وقصد وروية.
(1) في الأصل حرف «خ» فوق كلمة اختاروه وكأنّ الناسخ أثبت هذه الكلمة من نسخة أخرى رمز إليها بحرف «خ». (2) أشكل على المحقق قراءة الكلمة لأنّ النّاسخ أدغم رسم اللام. فظنّ أنّ بالتركيب نقصا فأضاف «له» بعد «الإنسان». م.