كتاب التحف المخزونة سليمان بن يخلف المزاتي أبو الربيع

Alsaidia_125_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٧٢

472

الجزء الثاني

في الابتلاء والتمحيص والفتنة

1 ـ في الغرض من التكليف

والابتلاء والتمحيص والفتنة ذلك كله معنى واحد. قد ابتلي الله عباده بالفرائض ومحصهم بها. فإن قال: فكيف جاز التمحيص ممن يعلم الأشياء ويعلم ما يصير إليه وما يكون عنها ومن يطيعه ومن يعصيه؟ الجواب في ذلك: أنّ الله محّص عباده وابتلاهم بالأوامر والنواهي استعبادا منه لهم ليثيب الطائع ويعاقب العاصي لا لاستفادة (1) علم لم يكن. بل هو عالم بما كان وبما يكون وبما لا يكون أنّه لا يكون. وقد قيل: وجه تمحيص الخالق للمخلوق ليعلم المنافق من المخلص والجبان /62/ من الشجاع والخائن من الموفي. فلو لا ذلك ما علم هؤلاء من غيرهم. فلو لم يبتلهم بالفرائض ولم يمحصهم بها ما علم النّاسُ المنافق من الموفي ولا الصادق من الكاذب ولا المخلص من المُرَائي ولا الجبان من الشجاع (2). فإن قال: فما وجه أمره ونهيه لمن يعلم أنه يعصيه ولا يطيعه؟ الجواب في ذلك: أنّ الله يلزمه فيه التكليف استعبادا لخلقه بطاعته، أمر جميع من عقل صحيح يثيب الطائع ويعاقب العاصي وإن لم يكن من الحكمة إلا أن يأمرهم وينهاهم إذ كانوا محتملين لمعرفته والإقرار به والإذعان لربوبيته ولا

له

(1) لعله يقصد لتحصيل علم لم يكن». (2) ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ) [العنكبوت: 3] أقوالا منها أن معنى الآية ليرين الله الناس الذين صدقوا في إيمانهم أو أن المفعول الأول محذوف تقديره فليعلمن الناس هؤلاء الصادقين والكاذبين أي يفضحهم ويشهرهم هؤلاء في الخير وأولئك في الشر وذلك في الدنيا والآخرة انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 325/ 13، 326.