منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

E 3

الفصل الأول: المعرفة والدليل

به (1)، وحكى محمد الكندي هذا التعريف بصيغة التمريض (2). وفي هذا التعريف دور، إذ العلم والمعلوم لفظان يتعلق فهم أحدهما ببيان معنى الآخر، ولذلك ردّ الوَار خلاني هذا التعريف وفضل كلمة "شيء" على كلمة "معلوم". ومنشؤ القضية الخلاف حول أعم الأشياء، فهو عند الإباضية والمعتزلة كلمة شيء (3)؛ وعند الأشاعرة كلمة موجود، والعلم عندهم يتعلق بالمعدوم وهو ليس شيئا عندهم (4). ولذلك جاء تعريف الجويني وفق هذا المفهوم، فقال: «العلم معرفة المعلوم على ما

هو به» (5).

والمسألة في جوهرها لا تعدو الخلاف اللفظي.

ولصعوبة تحديد مفهوم واضح ودقيق للعلم فقد بلغت تعاريفه زهاء عشرين حدا (6)، بل جعل الغزالي العلم مشتركا بين الإبصار والإحساس والتخيل والظن وعلم الله تعالى وإدراك العقل، وقال: «وربما يعسر تحديده على الوجه الحقيقي بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل الذاتي. . .» (7). وذكر أن أكثر المدركات الحسية يعسر تحديدها، وإذا عجزنا عن المدركات فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز (8)، ثم عمد إلى تعريفه بالتقسيم والتمثيل ليتم تميّزه عما يلتبس به من صفات النفس؛ كالإرادة والقدرة

والشك والظن هذا؛ بينما يميل محمد الكندي إلى تعليل اسم العلم دون تكلف العنت باستقصاء التعاريف، فقال: ويسمى العلم علما لأنه علامة يهتدي بها العالم إلى ما قد جهله الناس، وهو بمنزلة العَلَم المنصوب على الطريق، والمنار المنصوب على الحدود. فالعلم والعلامة والعلم اشتقاقه من لفظ واحد، فصار

1) الملشوطي، الأدلة والبيان، 2 و. 2) الكندي، بيان الشرع، 1: 13 ظ. (3) الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 23. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 25.

5) الجويني، الإرشاد، 12. 6 الجويني، البرهان، 1: 97/ 98. 7) الغزالي، المستصفى، 1: 25. 8) الغزالي، المستصفى، 1: 25.

105